في مخيمات النازحين بجنوب قطاع غزة، تحولت أداة بسيطة كانت تُباع بثمن زهيد إلى سلعة ثمينة لا غنى عنها. فالقداحات البلاستيكية، التي كانت تُعدّ من الكماليات اليومية، أصبحت اليوم وسيلة أساسية لإشعال النار وطهي الطعام في ظل شح الغاز والوقود.

ومع استمرار الحرب وتدمير جزء كبير من البنية الاقتصادية، بات سكان غزة يصلحون الولاعات القديمة ويتبادلونها بين العائلات، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية التي يعيشها القطاع. يأتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات دولية من عودة مستويات الجوع الحاد إلى الارتفاع، مع توقع تعرض أكثر من ثلثي سكان غزة لخطر الجوع الشديد بحلول نهاية العام.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

"القداحة".. أداة بقاء في مخيمات النزوح

في خيام النازحين في خانيونس وغيرها من مناطق جنوب غزة، أصبحت القداحة جزءا أساسيا من حياة العائلات، تماما مثل الطعام والماء والوقود. ومع غياب الغاز، تعتمد الأسر على إشعال الكرتون والبلاستيك والخشب لإعداد وجباتها، ما يجعل فقدان ولاعة صغيرة سببا في تعطيل حياتها اليومية.

وتقول نسرين أبو سعادة، وهي أم لـ٤ أطفال نزحت بسبب الحرب، إن إشعال النار أصبح معاناة متكررة، إذ تضطر إلى البحث عن أشخاص آخرين في المخيم لإشعال النار قبل أن تنطفئ محاولاتها الأولى.

قبل الحرب، كان يمكن شراء ٣ ولاعات بلاستيكية مقابل شيكل واحد فقط، لكن ندرتها دفعت أسعارها إلى مستويات قياسية، حيث وصل سعر الواحدة إلى نحو 100 شيكل، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من النازحين الذين فقدوا مصادر دخلهم.

ومع مرور الوقت، تحولت القداحات إلى أدوات تتشاركها عشرات العائلات، تنتقل من خيمة إلى أخرى قبل أن تتلف بسبب الاستخدام المتكرر.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

إصلاح الولاعات.. مهنة جديدة فرضتها الحرب

أزمة نقص القداحات فتحت باب رزق جديدا لبعض النازحين، من بينهم حسن أبو لطيفة، الذي كان يعمل مهندسا زراعيا قبل الحرب، لكنه اضطر إلى تغيير مهنته والعمل في إصلاح الولاعات التالفة.

يجلس أبو لطيفة في كشك صغير محاطا بصناديق من القداحات المعطلة وقطع الغيار المستعملة، حيث يعيد تشغيل أدوات أصبحت قيمتها تفوق سعرها الأصلي بكثير.

ويقول إن ارتفاع الأسعار دفع العائلات إلى إصلاح الولاعات بدلا من التخلص منها وشراء أخرى جديدة، مضيفا أن هذه المهنة لم تكن خيارا بالنسبة له، لكنها أصبحت استجابة لحاجة الناس وحاجته هو أيضا إلى العمل.

وتعكس هذه الظاهرة حجم الانهيار الاقتصادي في غزة، حيث تشير وكالات أممية إلى أن البطالة تجاوزت 80٪، فيما اقتربت معدلات الفقر من 100٪ بعد تراجع معظم الأنشطة الاقتصادية وتدمير البنية التحتية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

خطر الجوع يعود.. أكثر من ثلثي سكان غزة مهددون بنهاية العام

بالتزامن مع مظاهر الأزمة اليومية مثل نقص القداحات، حذر مرصد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي من أن الوضع الغذائي في غزة لا يزال هشا، وأن التحسن المحدود الذي أعقب زيادة دخول المساعدات بعد وقف إطلاق النار قد يكون مهددا بالانتكاس.

ووفقا للتقييم الأخير، عانى أكثر من 1.2 مليون شخص، أي نحو 59٪ من سكّان القطاع، من مستويات جوع حادّة بين منتصف أبريل ونهاية يونيو، ومن المتوقع أن يرتفع العدد إلى أكثر من 1.4 مليون شخص، أو نحو 67٪ من السكان، بحلول ديسمبر المقبل.

وأشار التقرير إلى أنّ العديد من الأسر لا تزال تحصل على كميات غير كافية من الغذاء، فيما لجأ بعضها إلى التسول أو البحث عن الطعام في القمامة.

وتحذر منظمات الإغاثة من أن نقص التمويل وتراجع المساعدات قد يؤديان إلى تدهور جديد في الأوضاع الإنسانية، في وقت تواجه غزة أيضا انهيارا في شبكات المياه والصرف الصحي والخدمات الصحية.

وبينما تؤكد إسرائيل أنّها سمحت بدخول كميات كبيرة من المساعدات وترفض اتهامات بفرض قيود على الغذاء، تقول منظمات إنسانية إن الاحتياجات ما تزال أكبر بكثير من حجم الإمدادات المتاحة، ما يبقي سكان القطاع عالقين في أزمة بقاء يومية تتجسد حتى في أبسط تفاصيل حياتهم.