لبنان يدخل واشنطن من بابها العريض… زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون تعيد رسم علاقة عمرها ثمانية عقود، علاقة بدأت قبل ولادة الدولة، ومرّت بمحطات مضيئة وأخرى دامية، وتقلّبت بين الاحتضان الأميركي والتخلّي، قبل أن تعود اليوم إلى الواجهة مع رئيسٍ يدخل البيت الأبيض في لحظة إقليمية دقيقة.
جذور العلاقة تمتد إلى ما قبل استقلال لبنان
منذ بدايات القرن الفائت، كانت الولايات المتحدة حاضرة في لبنان عبر البعثات التربوية والطبية التي أسست مؤسسات مفصلية، وبخاصة الجامعة الأميركية في بيروت ومستشفى الجامعة، وصولا إلى لحظة الاعتراف الأميركي باستقلال لبنان عام 1943 في عهد الرئيس بشارة الخوري، حين قررت إدارة الرئيس فرانكلين روزفلت أن لبنان يستحق أن يكون دولة مستقلة، لا ملحقًا بأي نفوذ إقليمي.
هذا الاعتراف المبكر لم يكن تفصيلا، بل كان إعلانا بأن واشنطن ترى في لبنان مساحة سياسية وثقافية مختلفة عن محيطه، وكانت الولايات المتحدة من أول الدول التي اعترفت باستقلال لبنان.
كيف تدخلت واشنطن لدعم الرئيس شمعون؟
ومع دخول المنطقة في زمن الحرب الباردة، ارتفع منسوب الاهتمام الأميركي بلبنان. في عهد الرئيس كميل شمعون، ومع تصاعد المدّ الناصري بقيادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وجد لبنان نفسه في عين العاصفة.
شمعون طلب دعما أميركيا مباشرا، فجاء الرد من الرئيس دوايت أيزنهاور بإنزال قوات المارينز على شواطئ بيروت في العام 1958، في خطوة هدفت إلى حماية الشرعية اللبنانية ومنع سقوط البلاد في محور إقليمي معاد لواشنطن.
هذا التدخل العسكري كان ذروة الحضور الأميركي في لبنان، ورسالة واضحة بأن واشنطن تعتبر لبنان جزءا من أمنها السياسي في الشرق الأوسط.
لكن هذا الصعود لم يدم طويلا. فمع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 في عهد الرئيس سليمان فرنجية، دخلت العلاقات مرحلة اضطراب عميق.
دعم أميركي لعهد الجميل رغم تفجير المارينز
الولايات المتحدة حاولت دعم الاستقرار عبر قوات متعددة الجنسيات في عهد الرئيس رونالد ريغان، لكن تفجير مقرّ المارينز في العام 1983 شكّل ضربة قاسية للوجود الأميركي في لبنان.
التفجير لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل كان نقطة تحوّل دفعت واشنطن إلى مراجعة دورها، وأدى إلى انسحاب القوات الأميركية.
هذا الحدث ترك أثرا طويلا في الذاكرة الأميركية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة.
تفويض أميركي للوصاية السورية
ففي ظل الفوضى اللبنانية، منحت واشنطن تفويضا غير معلن للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد لإدارة الملف اللبناني، معتبرة أن دمشق قادرة على ضبط الساحة اللبنانية بما يخدم الاستقرار الإقليمي.
هذا التفويض استمر طوال التسعينيات، في عهد الرئيس إلياس الهراوي، حيث بقي الدور الأميركي محدودا ومراقبا من بعيد، فيما تولّت سوريا إدارة التفاصيل اللبنانية.
"اتفاق ١٧ أيار" برعاية أميركية
العلاقات الأميركية اللبنانية لم تنقطع، رغم تفجير المارينز ورغم التفويض السوري إدارة ملف لبنان، ففي عهد الرئيس أمين الجميل، حاولت واشنطن إعادة بناء الدولة اللبنانية عبر رعاية اتفاق 17 أيار (مايو) في 1983، وهو اتفاق لم يصمد، أمام الضغوط الإقليمية، لكنه شكّل محاولة أميركية لإعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي.
الجميل نفسه زار واشنطن في تلك المرحلة، في محاولة لفتح نافذة سياسية جديدة، لكن الظروف الداخلية والإقليمية كانت أقوى من أي تفاهم.
الموقف الأميركي من انقسام لبنان إلى حكومتين
في أواخر الثمانينيات دخلت العلاقات اللبنانية – الأميركية واحدة من أكثر مراحلها حساسية حين انقسم لبنان إلى حكومتين واحدة عسكرية برئاسة ميشال عون والثانية مدنية برئاسة سليم الحص، بعدما تعثر انتخاب رئيس للجمهورية.
حاولت الولايات المتحدة اقتراح تسوية من خلال الدفع لانتخاب النائب ميخائيل الضاهر، يُنسب إلى الموفد الأميركي ريتشارد مورفي قوله وقتها: إما مخايل الضاهر أو الفوضى وهو ما تنكر له لاحقا موضحا أنه قال: إن لم تنتخبوا رئيسا فالفراغ سيتسبب بالفوضى.
ولما فشلت المبادرات الإقليمية والدولية، دخلت البلاد في فوضى عارمة، انتهت بإقرار اتفاق الطائف ثم بإطاحة حكومة ميشال عون.
ما بعد اتفاق الطائف
بعد اتفاق الطائف، وبعد تولي رفيق الحريري رئاسة الحكومة، في عهد الرئيس الياس الهراوي، عاد الاهتمام الأميركي تدريجا، ولكن من ضمن حدود النفوذ السوري الذي استمر حتى العام ٢٠٠٥.
بوش يطالب القوات السورية بالانسحاب فورا
ومع اغتيال الحريري في 2005 في عهد الرئيس إميل لحود، تغيّر المشهد بالكامل. فبعد خروج التظاهرة المليونية في بيروت المطالبة بخروج القوات السورية، بعد مرور شهر على اغتيال الحريري، أعلن الرئيس جورج بوش الابن: "على سوريا أن تنسحب من لبنان فورا وفي شكل كامل، وأن تضع حدا لتدخلها في الشؤون اللبنانية".
على الإثر انسحبت القوات السورية من لبنان، كذلك دعمت واشنطن إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، لتدخل العلاقات مرحلة صعود سياسي وأمني واضح.
ما بعد اتفاق الدوحة
في العقد الأخير، ومع عهدي الرئيسين ميشال سليمان ثم ميشال عون، اتخذت العلاقات شكلا مركّبا: دعم عسكري ثابت للجيش اللبناني، مقابل قلق سياسي متصاعد من الانقسام الداخلي والنفوذ الإقليمي.
فالولايات المتحدة أصبحت المموّل الأول للجيش، وقدّمت برامج تدريب وتسليح متقدمة، معتبرة أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على حفظ التوازن.
زيارة عون على وقع توترات محلية وإقليمية
اليوم، ومع زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تعود العلاقات إلى لحظة اختبار جديدة.
الزيارة تأتي في ظل توتر إقليمي واسع، ومفاوضات حدودية دقيقة مع إسرائيل، وحاجة لبنان إلى دعم عسكري واقتصادي، ورغبة أميركية في تثبيت دور الجيش اللبناني كقوة استقرار.
ماذا بعد الزيارة؟
أعلنت الرئاسة اللبنانية أن الرئيس عون أبلغ نظيره الأمريكي بأن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية أمر ضروري لترسيخ الاستقرار وتمكين الدولة من بسط سلطتها.
وبحث الرئيسان خلال لقائهما بالبيت الأبيض خطط نزع سلاح حزب الله وضمان انسحاب إسرائيل من لبنان.
وقالت الرئاسة اللبنانية إنهما ناقشا أيضا الدعم الأميركي للجيش اللبناني وإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي والاستثمارات الأميركية.
وجاءت زيارة عون التي استمرت نحو ساعتين في وقت تحتل القوات الإسرائيلية مساحة واسعة من جنوب لبنان ولا يزال مئات الألوف من اللبنانيين نازحين في أعقاب الضربات الإسرائيلية.
وسلطت المحادثات الضوء على المهمة الشائكة الملقاة على عاتق عون، والمتمثلة في السعي للحصول على مساعدة ترامب لضمان انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، وفي الوقت نفسه مواجهة ضغوط من الولايات المتحدة وإسرائيل لنزع سلاح حزب الله، الذي لا يزال قوة قتالية هائلة على الرغم من الانتكاسات الأخيرة.
وأصبح عون أول رئيس لبناني يزور البيت الأبيض منذ ما يقرب من 20 عاما.





