بعيدا عن الموانئ ونقاط التفتيش التقليدية، تشهد مياه المحيط الأطلسي ولادة نموذج جديد من تهريب المخدرات، أكثر جرأة وتعقيدا من الطرق المعروفة.

بحسب تحقيق أجرته صحيفة لوموند بالتعاون مع مؤسسات إعلامية أوروبية وأميركية، تنتشر في أعالي البحار مئات الزوارق السريعة فائقة القوة، صممت خصيصا لنقل أطنان من الكوكايين إلى السواحل الأوروبية.

هذه الزوارق، التي تعمل لصالح شبكات مرتبطة بعصابات أميركا اللاتينية، لا تنطلق بالضرورة من شواطئ بعيدة وهي محملة بالمخدرات، بل تنتظر في مناطق نائية وسط الأطلسي، على مسافات قد تتجاوز ألف ميل بحري عن اليابسة. وعندما تصل سفن الشحن التجارية القادمة من أميركا الجنوبية أو أفريقيا، تتلقى الزوارق إحداثيات دقيقة، ثم تنطلق لجمع الشحنات ونقلها بسرعة نحو أوروبا.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

زوارق تتحول إلى قواعد عائمة

وتصف لوموند المشهد بأنه أشبه بـ"أسطول غير مرئي" يعيش خارج نطاق الرادارات، خصوصا في المنطقة الممتدة قبالة جزر الكناري وماديرا، المعروفة باسم ماكارونيزيا. هناك، تتحول الزوارق إلى قواعد عائمة صغيرة، تبقى أحيانا في البحر أياما أو أسابيع في انتظار وصول الكوكايين.

ولا يقتصر الأمر على انتظار الشحنات. فقد كشف ديميتري زولاس، رئيس المكتب الفرنسي لمكافحة المخدرات، أن بعض الزوارق ترتبط ببعضها في عرض البحر لتشكيل تجمعات مؤقتة، وتتلقى إمدادات من الوقود والمياه والطعام. وقد يصل سعر عبوة البنزين سعة عشرين لترا إلى 300 دولار، فيما تؤمن شبكات إجرامية متمركزة في جزر الكناري خدمات إضافية للمهربين، تشمل نقل المؤن وحتى النساء إلى هذه التجمعات العائمة.

ماد ماكس في المحيط

ووصف المسؤول الفرنسي هذا العالم الخارج عن القانون بعبارة لافتة: "إنه ماد ماكس في المحيط"، في إشارة إلى الفيلم الشهير الذي يصور مجتمعا فوضويا تحكمه القوة والسرعة والسلاح. فبعض أفراد هذه الشبكات يحملون أسلحة حربية، بينما زودت زوارقهم بعدة محركات عالية القدرة تسمح لها بمطاردة سفن أخرى أو الفرار من قوات الأمن.

وكشف التحقيق عن حجم الظاهرة خلال عملية مراقبة فرنسية برتغالية حملت اسم "غالغو"، ونفذت بين 9 و19 أكتوبر 2025. وخلال تلك الفترة، رصدت الطائرات نحو خمسة عشر زورقا سريعا في منطقة واحدة، وهو ما يشير إلى أن الأمر لم يعد يتعلق بعمليات معزولة، بل بشبكة بحرية منظمة تعمل على نطاق صناعي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

صعوبة الملاحقة

وتستفيد العصابات من اتساع المحيط وصعوبة مراقبته، فضلا عن استخدام سفن التجارة المشروعة لإخفاء الشحنات في المرحلة الأولى من الرحلة. وبعد نقل المخدرات إلى الزوارق، تصبح الملاحقة أكثر تعقيدا، إذ تستطيع تلك القوارب التحرك بسرعة كبيرة، وتغيير مسارها، والوصول إلى خلجان أو سواحل يصعب تأمينها بالكامل.

ويعكس هذا التحول ضغوط السوق الأوروبية المتزايدة، التي أصبحت وجهة رئيسية للكوكايين العالي النقاء. كما يكشف قدرة الشبكات الإجرامية على التكيف مع تشديد الرقابة في الموانئ الكبرى، عبر نقل قلب عملياتها إلى المياه الدولية، حيث تكون سلطة الدول وقدرتها على التدخل أكثر محدودية.

أمام هذا الأسطول العائم، تجد الأجهزة الأوروبية نفسها في سباق تقني وأمني مفتوح. فالمعركة لم تعد تدور فقط داخل الحاويات والموانئ، بل في فضاء بحري شاسع، تتحرك فيه زوارق المهربين بسرعة، بينما يبقى الوصول إليها واعتراضها مهمة شديدة الخطورة والتعقيد.