في قمة أنقرة، لا يبدو السؤال المطروح داخل حلف شمال الأطلسي ماليا فقط، "كم ستدفع أوروبا للدفاع؟"، بل عسكريا وسياسيا أيضا، "كيف سيقاتل الناتو إذا تراجعت الولايات المتحدة عن دورها كقائد ومحرّك ومزوّد رئيسي للقدرات التي جعلت الحلف، لعقود، يعمل كجسم واحد؟".
خلف مشهد الوحدة المتوقع في القمة، تتحرك العواصم الأوروبية تحت ضغط فرضية لم تعد نظرية، أميركا أقل حضورا في الدفاع عن أوروبا، وربما أقل استعدادا لقيادة مواجهة كبرى مع روسيا.
وبحسب فايننشال تايمز، فقدت حكومات أوروبية خلال الأشهر الـ12 الماضية جزءا كبيرا من ثقتها باستعداد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لمساعدة الحلفاء، في وقت يتصاعد النقاش حول كيفية الدفاع عن القارة إذا تقلص الدعم الأميركي أو تأخر أو أصبح مشروطا.

ناتو 3.0.. أقل أميركية
تقول نيويورك تايمز إن قمة أنقرة تركز على بناء نموذج جديد للحلف، وسط دفع ترامب باتجاه تقليص الدور الأميركي والضغط على الآخرين لتحمل عبء أكبر. الأوروبيون يريدون إبقاء واشنطن منخرطة في الناتو، لكنهم باتوا يتقبلون أن الدفاع التقليدي عن أوروبا سيعتمد بدرجة أقل على الولايات المتحدة.
هذا التحول يوصف في بعض النقاشات بـ"الناتو 3.0": حلف لا تنسحب منه أميركا بالكامل، لكنه لا يعود قائما بالقدر نفسه على القيادة الأميركية الثقيلة. غير أن هذه الصيغة تحمل خطرا انتقاليا واضحا: أوروبا قد تصبح أكثر مسؤولية قبل أن تصبح أكثر جاهزية.
وتشير نيويورك تايمز إلى أن إدارة ترامب تسحب قوات وقدرات من أوروبا لتعزيز القوة الأميركية في الشرق الأوسط والمحيطين الهندي والهادئ. وفي المقابل، يريد الأوروبيون انتقالا سلسا يملأ الفجوات التي ستتركها واشنطن، ولو بصورة غير كاملة، لتقليل هشاشتهم أمام روسيا أكثر عدوانية وعسكرة.
المشكلة ليست الدبابات فقط
على الورق، لا تبدو أوروبا فارغة عسكريا. فبحسب المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، يملك الناتو الأوروبي مخزونات مهمة من الألوية الميكانيكية والدبابات والمدفعية والوحدات البحرية والطائرات القتالية. وفي بعض الفئات، تساوي الأرقام الأوروبية القدرات الروسية أو تتجاوزها.
لكن المشكلة، وفق المعهد، ليست في "الكتلة" العسكرية بقدر ما هي في "التكامل". فالولايات المتحدة لا توفر للحلف قوات فقط، بل تعمل كـ"نظام تشغيل" يربط أجهزة الاستشعار بوسائل الضرب، ويدمج الاستخبارات والاستطلاع، وينسق الدفاع الجوي والصاروخي، ويدعم النقل الاستراتيجي والردع النووي والتخطيط متعدد المجالات.
من دون هذا النظام، ستبقى القوات الأوروبية قادرة، لكنها أقل ترابطا. ستصبح دورات الاستهداف أبطأ، والضربات العميقة أقل انتظاما، والاستخبارات أقل استمرارية، والقرارات أكثر حذرا. بكلمات أبسط: قد يملك الأوروبيون الأدوات، لكنهم سيخسرون جزءا من الآلية التي تجعل هذه الأدوات تعمل معا بسرعة وفاعلية.
وداعا للقوة الساحقة
تقول فايننشال تايمز إن بعض المسؤولين والخبراء يرون أن القارة ستحتاج إلى "طريقة أوروبية جديدة للحرب"، لا تقوم على استنساخ النموذج الأميركي القائم على القوة الساحقة والتفوق الجوي والضربات الدقيقة العميقة.
فمن دون القدرات الأميركية على تدمير الدفاعات الجوية الروسية، قد يجد الأوروبيون صعوبة في تحقيق تفوق جوي سريع ومستمر. وهذا يعني أن المناورات البرية ستكون أكثر خطورة، وأن العمليات قد تصبح أبطأ وأكثر محلية وأكثر اعتمادا على الدفاع والامتصاص والاستنزاف.
وتنقل فايننشال تايمز عن مسؤول بريطاني أن الأوروبيين لن يستطيعوا استخدام القوة الساحقة بالطريقة الأميركية، بل سيحتاجون إلى إحباط الخصم وخلق معضلات أمامه وبناء ما يشبه "دفاع القنفذ": تحصينات، مراقبة منتشرة، استهداف مدعوم بالذكاء الاصطناعي، ومسيّرات وصواريخ رخيصة منتجة بكميات كبيرة.
هنا تصبح أوكرانيا أكثر من دولة تحتاج دعما. إنها، كما تعرض التقارير، مختبر للحرب الحديثة. فقد أظهرت كييف كيف يمكن للمسيّرات الرخيصة، والذخائر المتسكعة، ودورات الابتكار السريعة، أن تغيّر إيقاع الحرب وتبطئ قوة أكبر حجما. ولذلك تنظر أوروبا إلى التجربة الأوكرانية لا بوصفها معركة بعيدة، بل كدليل عملي على ما قد تحتاجه دفاعيا.
"أوربة الناتو" لا تعني كسره
بحسب European Leadership Network، فإن "أوربة" الناتو هي نتيجة مباشرة لتراجع الحضور السياسي والعسكري الأميركي في أوروبا. لكنها لا تعني انهيار الحلف، ولا انسحاب الولايات المتحدة بالكامل، ولا بناء بديل أوروبي منفصل من الصفر.
الفكرة المطروحة أقرب إلى إنقاذ الناتو عبر جعله أقل اعتمادا على واشنطن. أي تطوير الهياكل القائمة، وزيادة الدور الأوروبي داخل القيادة، واستبدال تدريجي لبعض القوات والقدرات الأميركية، بدلا من خلق منظومة موازية مكلفة وغير عملية.
لكن ذلك يفتح سؤال القيادة داخل أوروبا نفسها. فمن يملأ الفراغ الأميركي؟ فرنسا وبريطانيا قوتان عسكريتان أساسيتان، لكنهما ليستا على مسار إنفاق كاف، وفق فايننشال تايمز. ألمانيا وبولندا تصعدان دفاعيا، لكن ميزان القيادة السياسية والعسكرية داخل القارة لم يحسم بعد. وحتى مع ارتفاع الإنفاق، تبقى الثقة المتبادلة بين الأوروبيين أضعف من الثقة القديمة بالمظلة الأميركية.
سباق مع موسكو
الخطر الأبرز في هذه المرحلة ليس أن ينهار الناتو، بل أن يدخل منطقة رمادية: أميركا أقل التزاما، وأوروبا لم تكتمل جاهزيتها بعد. وفي هذه الفجوة، تخشى عواصم أوروبية أن تختبر روسيا تماسك الحلف.
تقول نيويورك تايمز إن مسؤولين ألمان وكثيرين في الناتو يعتقدون أن روسيا قد تكون جاهزة لحرب ضد الحلف بحلول 2029. وفي المقابل، تسعى أوروبا إلى زيادة الإنفاق، دعم أوكرانيا، سد فجوات الدفاع الجوي والصاروخي، وتوسيع قدراتها في الاستخبارات والمسيّرات والذخائر.
لكن المال وحده لا يكفي. فالناتو الذي بنته أميركا لا يمكن أن يصبح أوروبيا بمجرد شراء مزيد من السلاح. عليه أن يعيد بناء طريقة القيادة والقتال والتكامل.





