لم يعد دونالد ترامب يعتمد على القرارات السياسية وحدها لتعزيز نفوذه، بل جعل من اللغة نفسها أداة للسلطة. فمنذ دخوله البيت الأبيض، ثم عودته إليه، نجح الرئيس الأميركي في فرض نفسه على المشهد العام عبر خطاب يقوم على الصدمة والاستفزاز والسخرية، أكثر من اعتماده على لغة السياسة التقليدية، وفق ما يقول محللون.
وبينما يرى منتقدوه أن هذا الأسلوب يعكس الفوضى والابتذال، يعتبره أنصاره دليلا على الصراحة والصدق، وهو ما جعله أحد أبرز عناصر قوته السياسية.
وترى صحيفة ليزيكو الفرنسية أن ترامب قاد ما يشبه "التمرد اللغوي" على المؤسسة الأميركية، محولا السياسة إلى عرض مفتوح يستعير كثيرا من أدوات عروض "ستاند أب كوميدي"، حيث يصبح جذب الانتباه أهم من الالتزام بالأعراف السياسية.
من السياسة إلى صناعة المشهد
منذ عودته إلى البيت الأبيض، بدا واضحا أنّ ترامب لا يريد أن يكون مجرّد رئيس يدير الدولة، بل الشخصية الأكثر حضورا في الفضاء العام. لا يكاد يمرّ يوم من دون تصريح مثير أو هجوم على خصومه أو منشور يثير الجدل على منصته تروث سوشيال. وحتى الاحتفال بمرور 250 عاما على استقلال الولايات المتحدة حمل بصمته، بعدما ظهرت صورته وتوقيعه على العملات التذكارية وجوازات السفر.
ويرى الفيلسوف الفرنسي ميشال إلتشانينوف، في مقال نشرته مجلة فيلو ماغازين، أن أحد أسرار نفوذ ترامب يكمن في ما يسميه مستشاروه واستراتيجيته بـ"إغراق المنطقة"، Flood the Zone.
ويقوم هذا الأسلوب على إطلاق سيل متواصل من القرارات والتصريحات والمواجهات في وقت واحد، بحيث يجد الخصوم ووسائل الإعلام أنفسهم عاجزين عن التركيز على قضية واحدة أو بناء معارضة متماسكة. فكلما بدأت قضية في إثارة الجدل، كانت قضية أخرى أكثر صخبا قد خطفت الأضواء.
ويشير إلتشانينوف إلى أن هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى فرض أجندة ترامب، بل إلى إنهاك خصومه وتشتيت انتباههم. فالتدفق المستمرّ للإعلانات، وقرارات الإقالة، والرسوم الجمركية، والتهديدات، والهجمات على الإعلام، يجعل الرأي العام يعيش في حالة من الاستنفار الدائم، بينما يتحول الجدل نفسه إلى جزء من أدوات الحكم.
وبهذا المعنى، لا يستخدم ترامب اللغة لنقل الرسائل فحسب، بل يوظفها لصناعة حالة سياسية تبقيه دائما في مركز الحدث، حتى عندما تكون غالبية التغطية الإعلامية موجهة لانتقاده.
وبحسب ليزيكو، فإن هذا الحضور المكثف ليس عفويا، بل جزء من استراتيجية تهدف إلى احتكار الاهتمام الإعلامي. فكلما بقي ترامب في صدارة الأخبار، أصبح من الصعب على خصومه فرض أجندة مختلفة، وهي مهارة اكتسبها خلال سنوات عمله في الإعلام وتلفزيون الواقع.
لغة بسيطة.. وتأثير كبير
المفارقة أن ترامب يستخدم لغة تختلف عن تلك التي اعتادها الرؤساء الأميركيون. فقد أظهرت دراسات لغوية أن مفرداته بسيطة، تعتمد على كلمات قصيرة ومتكررة مثل "الأفضل" و"الكبير" و"السيئ"، إلى جانب تكرار الصفات نفسها بصورة لافتة.
وتشير الباحثة جانيت ماكنتوش، التي استعرضت ليزيكو أعمالها، إلى أنه يستخدم أيضا ما يعرف بـ"المكثفات الفارغة"، مثل تكرار كلمة "جدا"، فضلا عن أخطاء لغوية أو كتابية لا يسارع إلى تصحيحها، كما حدث مع كلمة Covfefe.
ورغم أن خصومه رأوا في ذلك دليلا على ضعف الخطاب، فإن الدراسات تشير إلى أن أنصاره يفسرون هذه اللغة بوصفها دليلا على العفوية ورفض الخطابات السياسية المصطنعة. ولهذا يحرص ترامب على الحديث بصيغة المتكلم، ويقدم نفسه دائما باعتباره المرجع الأول، حتى إنه قال ذات مرة: "أنا أعرف الكلمات.. لدي أفضل الكلمات".
الاستفزاز وسيلة للهيمنة
يعرف ترامب أن التصريحات الصادمة تنتشر أسرع من الخطابات التقليدية، ولذلك لا يتردد في إطلاق أوصاف ساخرة على خصومه، مثل "جو النعسان" للرئيس السابق جو بايدن، أو استخدام عبارات حادة في مخاطبة خصوم الولايات المتحدة، كما فعل مع المسؤولين الإيرانيين خلال حديثه عن مضيق هرمز.
ولا يهدف هذا الأسلوب إلى إثارة الجدل فقط، بل إلى فرض إيقاعه على النقاش العام. فوسائل الإعلام تجد نفسها مضطرة إلى نقل تصريحاته، وخصومه يسارعون إلى الرد عليها، ما يضمن بقاءه في قلب المشهد السياسي حتى عندما تكون التغطية الإعلامية سلبية.
كما يعتمد ترامب بصورة كبيرة على تكرار الرسائل. وتشير ماكنتوش إلى أن بعض الروايات، حتى لو كانت غير صحيحة، تكتسب مع الوقت صفة الحقيقة لدى قطاع من الجمهور. ويبرز ذلك في إصراره المتواصل على أن انتخابات عام 2020 "سرقت"، وهي رواية ما زالت تحظى بتصديق ملايين الأميركيين رغم نفيها قضائيا.
السياسة كعرض مباشر
ولا يعتمد ترامب على الكلمات وحدها، بل يوظف حضوره الجسدي أيضا. فهو يقلّد منافسيه على المنصة، ويسخر من طريقة حديثهم أو مشيتهم، ويستخدم الإيماءات بصورة مبالغ فيها، حتى إن باحثين استشهدت بهم ليزيكو يرون أنه استعار كثيرا من أدوات عروض "ستاند أب كوميدي"، حيث يخاطب الجمهور مباشرة، ويحول خصومه إلى مادة للسخرية.
كما أصبحت الصورة التي رفع فيها قبضته بعد محاولة اغتياله خلال حملة 2024 واحدة من أبرز الصور السياسية في الولايات المتحدة، بعدما نجح في تحويلها إلى رمز للقوة والصمود.
لغة الضغط تتجاوز الداخل الأميركي
ولا يقتصر تأثير هذا الأسلوب على السياسة الداخلية، بل يمتد إلى العلاقات الدولية. فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، استخدم ترامب اللغة نفسها في التعامل مع الحلفاء الأوروبيين، معتمدا على الضغط العلني والتهديد بفرض الرسوم الجمركية والمطالبة بزيادة الإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي.
وفي هذا السياق، يرى تقرير صادر عن كلية لندن للاقتصاد أن هذا النهج دفع أوروبا إلى إعادة التفكير في مستقبل اعتمادها على الولايات المتحدة. ويدعو التقرير إلى بناء أوروبا فيدرالية تتولى إدارة ملفات الدفاع والسياسة الخارجية بصورة موحدة، بما يعزز استقلالها الاستراتيجي ويقلل من قدرتها على التأثر بالضغوط الأميركية.
رئيس يفهم زمن المنصات
ويشير التقرير إلى أنّ التبعية الأوروبية لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتدّ إلى المجال الرقمي، حيث تهيمن الشركات الأميركية على منصات التواصل ومحركات البحث والخدمات الرقمية، وهو ما يمنح واشنطن أدوات إضافية للتأثير في الرأي العام الأوروبي. ويرى أن تطوير بدائل أوروبية في مجالات التكنولوجيا والفضاء والدفاع أصبح ضرورة استراتيجية، وليس مجرّد خيار اقتصادي.
ويشير التقرير إلى أنّ ترامب أدرك مبكرا أنّ السياسة في عصر "تيك توك" لم تعد تقاس بطول الخطابات، بل بقدرة السياسي على جذب الانتباه. ولهذا يفضّل المنشورات القصيرة، والصور المثيرة، والرسائل التي يسهل تداولها وإعادة نشرها، مدركا أنّ الجدل، حتى لو كان سلبيا، أفضل من الغياب عن المشهد.





