لم يكن سقوط نيكولاس مادورو مجرد نهاية لحقبة سياسية استمرت أكثر من عقدين في فنزويلا، بل شكّل أيضا ضربة قاسية للمحور الذي ضمّ الصين وروسيا وإيران، والذي اعتبر البلاد طوال سنوات إحدى أهم قواعده المتقدمة في أميركا اللاتينية.

ففي غضون أشهر قليلة، تبدلت الخريطة الجيوسياسية بصورة يصعب تصورها قبل وقت قصير، وانتقلت كاراكاس من موقع الخصم التقليدي لواشنطن إلى شريك يعتمد عليها في إدارة قطاع النفط والمالية العامة وحتى بعض القرارات السيادية.

ويرى مراقبون أنّ ما حدث في فنزويلا يتجاوز مجرّد تغيير في السلطة، إذ يعكس أسلوبا جديدا تتبعه إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في إعادة بسط نفوذ واشنطن داخل أميركا اللاتينية، ليس عبر الاحتلال أو تغيير الأنظمة فقط، وإنما عبر الإمساك بمفاصل الاقتصاد والطاقة، وإعادة توجيه علاقات الدولة الخارجية بما يخدم أولويات واشنطن.

وتقول صحيفة ليزيكو الفرنسية إنّ الولايات المتحدة نجحت في إزاحة ٣ من أبرز منافسيها، الصين وروسيا وإيران، من فنزويلا في وقت قياسي، مستفيدة من عملية الإطاحة بمادورو، ثمّ من حاجة القيادة الجديدة إلى الشرعية الدولية والاستثمارات الغربية لإنقاذ اقتصاد يقترب من الانهيار.

في 3 يناير 2026، نفّذت قوات أميركية عملية خاصة انتهت باعتقال مادورو داخل مقرّ إقامته. وسرعان ما انتقلت السلطة إلى ديلسي رودريغيز، التي بدأت بإرسال رسائل طمأنة إلى واشنطن، قبل أن تترجم ذلك بسلسلة قرارات غير مسبوقة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

حينها، أقرّت الحكومة قانونا يفتح قطاع النفط أمام الاستثمارات الخاصة، وأعادت الاعتراف بالتحكيم الدولي، واستأنفت التعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما أفرجت عن مئات المعتقلين السياسيين، في خطوات كانت تُعدّ قبل أشهر قليلة من المحرمات السياسية في عهد تشافيز ومادورو.

ماركو روبيو يدير فينزويلا؟

بحسب تقرير نشرته نيويورك تايمز، لم تعد واشنطن مجرد داعم للحكومة الجديدة، بل أصبحت شريكا يتحكم في الملفات الأكثر حساسية داخل الدولة.

وتنقل الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وفنزويليين أنّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدير بصورة مباشرة جزءا كبيرا من الملف الفنزويلي، ويحافظ على تواصل دائم مع الرئيسة المؤقتة، ديلسي رودريغيز، حتى إنهما يتبادلان الرسائل عبر تطبيق واتساب باللغة الإسبانية.

وتضيف الصحيفة أنّ نفوذ روبيو لا يقتصر على السياسة الخارجية، بل يمتدّ إلى الاقتصاد وإدارة الموارد الطبيعية، إذ تمرّ عائدات معظم صادرات النفط الفنزويلي عبر وزارة الخزانة الأميركية، قبل أن يعاد تحويلها إلى الحكومة الفنزويلية وفق ضوابط تحددها واشنطن. وبعبارة أخرى، أصبحت الولايات المتحدة تتحكم ليس في حركة النفط فقط، وإنما أيضا في كيفية إنفاق عائداته.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ويرى مسؤولون أميركيون أنّ هذا النظام ساعد في الحدّ من شبكات الفساد التي استنزفت موارد الدولة طوال سنوات، كما وفّر للحكومة الفنزويلية حماية من دائنيها الدوليين الذين يطالبون بمليارات الدولارات من الديون المتراكمة. لكن هذا الترتيب منح واشنطن في الوقت نفسه نفوذا غير مسبوق على السلطة الجديدة، التي تعتمد على هذه الأموال لدفع الرواتب والحفاظ على استقرار العملة المحلية.

ويشرف روبيو أيضًا، بحسب الصحيفة، على نظام العقوبات والتراخيص الذي يحدد الشركات المسموح لها بالعمل في قطاع النفط، كما يطلع على تعيينات حكومية حساسة، من بينها وزير الدفاع، في مشهد يعكس حجم النفوذ الأميركي داخل مؤسسات الدولة الفنزويلية.

وكان النفط دائما محور الصراع على فنزويلا، إذ تمتلك أكبر احتياطي معروف من النفط غير التقليدي في العالم، وهو ما جعلها هدفا دائما للتنافس بين القوى الكبرى. إلا أن ما تغير بعد سقوط مادورو هو أن واشنطن لم تكتف برفع بعض العقوبات، بل أعادت رسم قواعد اللعبة بالكامل.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

بحسب ليزيكو، يخضع تصدير النفط الفنزويلي اليوم لنظام تراخيص تديره وزارة الخزانة الأميركية، بينما تمرّ المدفوعات عبر حسابات خاضعة لإشرافها، الأمر الذي يمنحها قدرة فعلية على تحديد الجهات التي يمكنها شراء النفط الفنزويلي. ونتيجة لذلك، تراجعت الصادرات إلى الصين بصورة كبيرة، في حين عادت الأسواق الأميركية والأوروبية والهندية لتصبح الوجهات الرئيسية للخام الفنزويلي.

وفي المقابل، فتحت الحكومة الجديدة الباب أمام الشركات الغربية للعودة إلى البلاد، وفي مقدمتها شيفرون وشل وإيني وريبسول وبي بي، على أمل جذب استثمارات تعيد الحياة إلى قطاع تراجع إنتاجه من نحو 2.5 مليون برميل يوميا قبل ١٠ سنوات إلى قرابة مليون برميل فقط.

روسيا و إيران خارج المعادلة

على مدى سنوات، اعتمد النظام السابق على موسكو في التسليح وأنظمة الدفاع الجوي، كما استعان بخبراء روس وإيرانيين في مجالات الأمن والطاقة والالتفاف على العقوبات الغربية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

كما ارتبط البلدان بعقود بمليارات الدولارات مع شركات روسية مثل روسنفت وغازبروم ولوك أويل، إلى جانب تعاون وثيق مع طهران في تشغيل المصافي وتوفير الوقود.

لكن سقوط مادورو كشف حدود هذا التحالف، حيث علّقت معظم المشاريع الروسية والصينية، وغادر القسم الأكبر من المستشارين العسكريين الروس والإيرانيين البلاد بهدوء، بينما انشغلت موسكو بحربها في أوكرانيا، وواصلت إيران مواجهة ضغوطها الإقليمية والدولية، ما جعل الدفاع عن فنزويلا أولوية ثانوية بالنسبة لهما.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الصين.. نفوذ أعمق

ورغم أنّ بكين تُعدّ الخاسر الأكبر اقتصاديا، فإنّ خسارتها تبدو مختلفة عن خسائر موسكو وطهران.

لا تزال الصين تمتلك شبكة واسعة من القروض والاستثمارات يصعب تفكيكها بسرعة. ويقول براين فونسيكا، الباحث في مركز نيو أميركا، إنّ إخراج روسيا وإيران من فنزويلا كان أسهل بكثير من تقليص النفوذ الصيني، لأنّ استثمارات بكين أكثر عمقا وتشابكا مع الاقتصاد الفنزويلي، حتى وإن تقلّص نفوذها السياسي خلال الأشهر الأخيرة.