لم تبدأ قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة بأجواء توافقية، بل بتهديدات أميركية للحلفاء الأوروبيين، وانتقادات حادة لإسبانيا، وتلميحات بإعادة سحب القوات الأميركية من أوروبا.
لكن بعد ساعات قليلة، تبدل المشهد بالكامل. خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب متحدثا عن "حب في القاعة" و"وحدة كبيرة" بين أعضاء الحلف، بعدما كان يصف بعضهم قبل ساعات بأنهم "حلفاء سيئون".
وتكشف صحيفة إل باييس أن هذا التحول لم يكن عفويا، بل جاء نتيجة خطة دقيقة أعدها قادة الناتو لتجنب انفجار القمة وإقناع ترامب بأن الحلف يسير وفق رؤيته.
لتجنب إغضاب ترامب.. ٥ دقائق لكلّ زعيم
بحسب إل باييس، فرض منظمو القمة على قادة الدول ألا تتجاوز مداخلات كلّ منهم ٥ دقائق خلال الجلسة المغلقة، لتفادي تشتيت انتباه ترامب أو إثارة غضبه.
وأضافت الصحيفة أنّ الأمين العام للحلف، مارك روته، والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أمضيا عاما كاملا في التحضير للقمة، بدءا من ترتيب الجلسات ووصولا إلى تفاصيل العشاء الرسمي، بهدف تقليل احتمالات وقوع مواجهة مع الرئيس الأميركي.
وخلال الجلسة، عرض كل زعيم بالأرقام حجم الإنفاق العسكري لبلاده ومساهمتها في الحلف، وهو ما دفع ترامب لاحقا إلى القول إنه شعر بأن هناك "حبا في الأجواء"، مضيفا: "قالوا لي: سيدي، نحن نحبك كثيرا.. ربما كانوا يحاولون الوصول إلي، وقد نجحوا إلى حد ما".
الأرقام والإطراء بدل المواجهة
توضح إل باييس أن معظم القادة ركزوا على إظهار استجابتهم للمطلب الأميركي بزيادة الإنفاق الدفاعي.
فقد أعلن الرئيس الليتواني غيتاناس ناوسيدا أن بلاده تنفق 5.33% من ناتجها المحلي على الدفاع، بينما أكد رئيس وزراء إستونيا كريستن ميخال أن بلاده بلغت 5.10%، بل إنهما ارتديا شارة تحمل رقم 5% في إشارة إلى الهدف الذي يدفع إليه ترامب.
كما أوضح الرئيس البولندي كارول نافروتسكي أن بلاده رفعت إنفاقها الدفاعي إلى 4.68%، فيما أكّد رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، أن إسبانيا رفعت إنفاقها إلى 2% مع خطة للوصول إلى 2.1%، مشيرا إلى مساهمة مدريد في عمليات الحلف في الأطلسي والبلطيق والقطب الشمالي.
ونقلت الصحيفة عن مصدر دبلوماسي قوله إنّ "القادة عرضوا الأرقام والنسب، وبعضهم أغدق المديح على القيادة الأميركية، وهذا أقنع ترامب إلى حدّ ما، وأعطاه الانطباع بأنّ الحلفاء يسيرون في الاتجاه الذي يريده".
أردوغان يستثمر في الدبلوماسية الشخصية
لم يقتصر دور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على استضافة القمة، بل سعى، وفق إل باييس، إلى كسب ود ترامب عبر مراسم استقبال فخمة وعشاء رسمي فاخر، إضافة إلى هدايا شخصية لكل زعيم.
وأهدى أردوغان القادة مسدسا منقوشا بأسمائهم مع علبة ذخيرة ووثائق تسمح بإخراجه من تركيا، فضلا عن نسخة من كتاب سيرته الذاتية، كما وضعت على طاولة كل زعيم أقلام ومذكرات تحمل اسمه.
وترى الصحيفة أن هذه الأجواء ساهمت في تحسين مزاج ترامب، الذي بدا أكثر انفتاحا حتى خلال لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، حيث وعد بمنح كييف تراخيص لتصنيع صواريخ باتريوت داخل أوكرانيا.
وتخلص إل باييس إلى أن القمة انتهت بهدوء غير متوقع، لكن الهدوء لا يعني زوال الخلافات، إذ نقلت عن دبلوماسي في الحلف قوله: "الآن الأمور هادئة، لكن الجميع يعلم أن انفجارا جديدا قد يحدث في أي وقت".





