لم يعد انهيار الهدنة الأميركية- الإيرانية مجرد نتيجة لهجمات على سفن تجارية أو ردّ عسكري أميركي واسع. فالتصعيد الجديد في مضيق هرمز يكشف عقدة أعمق: واشنطن تريد إعادة فتح شريان الطاقة العالمي بالقوة ومن دون تنازلات كاملة، فيما ترى طهران أن التخلي عن ورقة المضيق قبل رفع العقوبات والإفراج عن أصولها المجمدة يعني خسارة آخر أدوات الضغط. وبين ضربات طالت نحو 90 موقعا عسكريا إيرانيا، وعودة النفط إلى الارتفاع، هل يمكن فرض الاستقرار عسكريا، أم أن الهدنة سقطت لأنها تجاهلت جوهر الصفقة؟

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

هدنة انهارت تحت نيران هرمز؟

بدأ التصعيد الأخير بعد سلسلة هجمات استهدفت سفنا تجارية في مضيق هرمز، أعقبها تنفيذ الجيش الأميركي يوما ثانيا من الضربات ضد أهداف عسكرية إيرانية.

وبحسب صحيفة فايننشال تايمز، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن قواتها استهدفت نحو 90 موقعا عسكريا إيرانيا بهدف "تقويض قدرة إيران على مهاجمة السفن التجارية والمدنيين في مضيق هرمز"، وذلك بعدما كانت قد استهدفت أكثر من 80 هدفا في اليوم السابق ردا على هجمات إيرانية ضد سفن تجارية.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن إيران "اتصلت لأنها تريد اتفاقا بشدة"، لكنه أضاف أنه لم يعد يثق في التزامها بأي اتفاق، متسائلا: "هل سيحترمون الاتفاق؟ هذه هي المشكلة". كما أعلن من قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة أن وقف إطلاق النار "انتهى بالنسبة لي"، واصفا قادة إيران بأنهم "مرضى" و"كاذبون"، مع تأكيده في الوقت نفسه أنه لا يتوقع اندلاع حرب شاملة جديدة، لأن أي مواجهة "ستنتهي بسرعة".

وفي المقابل، أدّى تجدد القتال إلى ارتفاع أسعار النفط مجددا، بعدما كان الاتفاق المؤقت يهدف أساسا إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة النفطية واستقرار أسواق الطاقة العالمية.

عقدة هرمز.. لماذا يتمسك كل طرف بموقفه؟

تكشف فايننشال تايمز في تقرير آخر أن جوهر الأزمة لم يعد البرنامج النووي فحسب، بل مستقبل السيطرة على مضيق هرمز نفسه.

وتكتب الصحيفة، أن ترامب يريد إعادة حركة الملاحة بصورة كاملة لتخفيف أزمة الطاقة قبل الانتخابات النصفية الأميركية، بينما ترفض طهران التخلي عن الورقة الأقوى التي تمتلكها قبل التوصل إلى اتفاق نهائي يشمل رفع العقوبات وتقديم ضمانات اقتصادية.

وقالت إيلي جيرانمايه، الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن "إيران لا تريد التخلي عن نفوذها في المضيق قبل التوصل إلى اتفاق أوسع بشأن الإغاثة الاقتصادية الأميركية"، مضيفة أن عدم الاتفاق مسبقا على آلية واضحة لإدارة الملاحة في هرمز جعل العودة إلى التصعيد أمرا شبه حتمي.

وتتفق مجلة ذا إيكونوميست مع هذا التقييم، لكنها تضيف أن طهران تعتبر أن واشنطن لم تنفذ أهم تعهداتها، وعلى رأسها الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة ورفع العقوبات، رغم أن إيران فتحت المضيق بعد توقيع مذكرة التفاهم. وتشير المجلة إلى أن قيمة الأموال التي تنتظر طهران الإفراج عنها تصل إلى نحو 100 مليار دولار.

كما تنقل المجلة عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قوله إن الولايات المتحدة "لن تبرم اتفاقا بأي ثمن"، وإن رفع العقوبات بالكامل ليس مطروحا حاليا، وهو ما عزز قناعة طهران بأن واشنطن تريد الحصول على تنازلات من دون تقديم مقابل اقتصادي حقيقي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

من يملك أوراق القوة في المواجهة الجديدة؟

رغم الضربات الأميركية المكثفة، يرى مراقبون أن الطرفين ما زالا يمتلكان أدوات ضغط مختلفة تجعل الصراع مرشحا للاستمرار.

ترى صحيفة فايننشال تايمز أن إيران حولت مضيق هرمز إلى أهم أوراقها التفاوضية، بعدما أصبح تعطيل الملاحة يرفع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، فيما تحاول واشنطن استخدام القوة العسكرية لإجبار طهران على إعادة فتح المضيق من دون شروط.

لكن مجلة ناشيونال ريفيو تعتبر أن إيران "تبالغ في استخدام أوراقها"، إذ نقلت عن أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز ولي نصر أن طهران تعتقد أن الولايات المتحدة تريد انتزاع سيطرتها على المضيق، ولذلك أصبحت مستعدة لخوض مواجهة دفاعا عن هذه الورقة.

غير أن المجلة تشير إلى أن قدرة إيران على الضغط بدأت تتراجع مع عودة جزء من حركة الملاحة عبر مسارات بحرية تحرسها البحرية الأميركية، ومع اتجاه شركات الطاقة إلى الاستثمار في طرق تصدير بديلة ومنشآت تخزين خارج المنطقة.