لم تكد تمر أسابيع على إعلان واشنطن وطهران التوصل إلى تفاهم مؤقت لوقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، حتى عاد الممر البحري الأكثر أهمية لتجارة الطاقة العالمية إلى واجهة التصعيد.
أعادت الضربات العسكرية وإعادة فرض عقوبات على صادرات النفط الإيراني، واتهامات متبادلة بانتهاك الاتفاق طرح سؤال بات يثير قلق أسواق الطاقة والعواصم الغربية: هل ينهار اتفاق هرمز قبل أن يبدأ تنفيذه فعليا، أم أن التصعيد الأخير مجرد محاولة لتحسين شروط التفاوض؟
ضربات متبادلة تعيد المواجهة إلى هرمز
ذكرت فايننشال تايمز أن القيادة المركزية الأميركية أعلنت تنفيذ "ضربات قوية ضد إيران"، مؤكدة لاحقا أنها استهدفت 80 هدفا عسكريا، بعدما اتهمت طهران بمهاجمة ثلاث سفن تجارية كانت تعبر مضيق هرمز، ووصفت ذلك بأنه "انتهاك واضح وخطير" لوقف إطلاق النار.
وأضافت الغارديان أن من بين السفن المستهدفة ناقلة غاز طبيعي مسال قطرية، مشيرة إلى أن الضربات الأميركية جاءت بعد ساعات من إلغاء واشنطن إعفاء كان يسمح لطهران بتصدير النفط.
ورد الحرس الثوري الإيراني بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت مواقع عسكرية أميركية في البحرين والكويت، بينها ميناء سلمان الذي تستضيف البحرين فيه مقر الأسطول الأميركي الخامس، وقاعدة علي السالم الجوية في الكويت.
وقال الحرس الثوري إنه استهدف 85 موقعا، كما أعلن إسقاط طائرة أميركية مسيرة من طراز MQ-9.
وفي المقابل، قالت القيادة المركزية الأميركية إن ردها جاء دفاعا عن حرية الملاحة بعد ما وصفته بالهجمات الإيرانية على السفن التجارية.
النفط والعقوبات.. ضغوط اقتصادية تواكب التصعيد العسكري
لم يقتصر التصعيد على المواجهة العسكرية، بل امتد إلى الملف الاقتصادي. فقد ألغت وزارة الخزانة الأميركية الترخيص العام الذي منح لإيران بعد توقيع مذكرة التفاهم، والذي سمح لها باستئناف صادرات النفط الخام.
ونقلت فايننشال تايمز عن مسؤول أميركي قوله إن الإدارة أرادت فرض "عواقب" على إيران لأن تصرفاتها في مضيق هرمز كانت "غير مقبولة تماما"، مضيفا أن الاتفاق مع طهران "قائم بالكامل على الأداء، ولن تجني إيران أي فوائد إلا إذا أظهرت سلوكا جيدا".
وأشارت الصحيفة إلى أن خام برنت ارتفع 2.6 بالمئة ليصل إلى 76.07 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى له في أسبوعين، قبل أن يقلص جزءا من مكاسبه.
من جهتها، أوضحت الغارديان أن قرار إعادة فرض العقوبات أعاد الجدل داخل الولايات المتحدة، إذ اعتبر منتقدو اتفاق إدارة ترامب مع إيران أن منح طهران حق تصدير النفط قبل التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن برنامجها النووي أفقد واشنطن إحدى أهم أدوات الضغط الاقتصادي.
تفسيرات متضاربة.. هل يصمد اتفاق هرمز؟
يبدو أن الخلاف لم يعد يقتصر على تبادل الاتهامات، بل امتد إلى تفسير بنود مذكرة التفاهم نفسها. فقد أوضحت فايننشال تايمز أن الاتفاق نص على إعادة فتح مضيق هرمز مقابل إعفاء يسمح لإيران ببيع النفط، مع إطلاق مفاوضات تمتد 60 يوم للتوصل إلى تسوية دائمة تشمل البرنامج النووي وإنهاء الحرب. لكن المفاوضات توقفت، بينما تبادل الطرفان الاتهامات بانتهاك الهدنة.
وقال كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إن الولايات المتحدة ارتكبت "انتهاكات كبيرة" للاتفاق عبر إعادة فرض عقوبات النفط وتنفيذ ضربات عسكرية، مضيفا: "انتهى زمن التنمر والابتزاز. لا يؤدي إلى أي مكان. لن ننحني."
كما أكدت القيادة العسكرية المشتركة أن إيران "لن تسمح تحت أي ظرف بأي تدخل في شؤون أو إدارة مضيق هرمز".
في المقابل، أيد الأمين العام لحلف الناتو مارك روته الضربات الأميركية، قائلا إنها كانت "ضرورية تماما" لأن إيران، بحسب تعبيره، انتهكت وقف إطلاق النار.
وأضافت الغارديان أن خبراء يرون أن الصياغة الغامضة لمذكرة التفاهم سمحت لكل طرف بتفسيرها بما يخدم مصالحه، خاصة في ما يتعلق بإدارة الملاحة في مضيق هرمز. في حين تؤكد طهران أن إعادة تشغيل المضيق يجب أن تتم بالتنسيق معها ومع سلطنة عمان، ترى واشنطن أن من حقها البحث عن ممرات ملاحية بديلة لحماية حركة التجارة الدولية. ومع استمرار الضربات العسكرية، وعودة العقوبات، وتوقف المفاوضات، يزداد احتمال أن يتحول اتفاق هرمز من خطوة نحو التهدئة إلى اتفاق ينهار قبل أن يحقق أهدافه.





