عندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارته إلى دمشق، أن بلاده ستعيد إلى سوريا أكثر من 50 مليون يورو من الأموال المصادرة التابعة لعائلة الرئيس السوري السابق بشار الأسد، تصدر الخبر عناوين وسائل الإعلام باعتباره أبرز نتائج الزيارة.
لكن التمعن في تفاصيلها، كما أوردتها صحيفة لوباريزيان الفرنسية ومجلة دير شبيغل الألمانية، يكشف أن استعادة هذه الأموال لم تكن سوى جزء من مشهد أكبر، عنوانه عودة فرنسا إلى سوريا بحسابات سياسية واقتصادية واستراتيجية جديدة.
50 مليون يورو.. إغلاق ملف قضائي أم بداية مرحلة جديدة؟
بحسب لوباريزيان، فإن الأموال التي ستعيدها باريس ليست هبة ولا مساعدات مالية، وإنما أصول صادرتها العدالة الفرنسية بعد سنوات من التحقيقات في ممتلكات اعتبرت مكتسبة بطرق غير مشروعة من قبل أفراد في عائلة الأسد، وعلى رأسهم رفعت الأسد، عم الرئيس السوري السابق.
وأوضح ماكرون أن هذه الأموال ستخصص لتمويل مشاريع تنموية داخل سوريا، مؤكدا أنها "ستعود إلى الشعب السوري"، لا إلى أفراد أو جهات بعينها.
كما أعلن الجانبان توقيع خطاب نوايا ينظم آلية إعادة هذه الأموال، في خطوة قالت باريس إنها تأتي استكمالا لمسار قضائي كانت فرنسا أول دولة تمضي فيه حتى نهايته.
إعادة التموضع الفرنسي في سوريا
لكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن بقية الزيارة قد تكون مضللة. فالإعلان عن إعادة الأموال جاء ضمن سلسلة اتفاقات وتحركات توحي بأن باريس تسعى إلى إعادة تموضعها في سوريا بعد سنوات من القطيعة.
ووفق دير شبيغل، وصل ماكرون إلى دمشق على رأس وفد اقتصادي كبير، في أول زيارة لرئيس دولة غربية إلى سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.
ولم تكن الزيارة ذات طابع بروتوكولي فقط، بل شهدت افتتاح منتدى اقتصادي خصص لإعادة إعمار سوريا وبحث إنشاء "ممرات استراتيجية"، إضافة إلى اتفاق الجانبين على إعادة العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء في أقرب وقت، بعد أكثر من اثني عشر عاما على إغلاق السفارة الفرنسية في دمشق.
كما نقلت المجلة الألمانية عن الرئيس السوري أحمد الشرع قوله إنه يتطلع إلى أن تصبح فرنسا "الشريك الأول" لبلاده، فيما أكد ماكرون أن أحد أهداف التعاون يتمثل في مساعدة سوريا على التحول مستقبلا إلى مركز إقليمي يربط بين الممرات الاقتصادية والاستراتيجية.
الطاقة وهرمز.. الحسابات التي تتجاوز إعادة الإعمار
غير أن أكثر ما استوقف المراقبين لم يكن ما صدر عن السياسيين، بل التصريحات التي أدلى بها الرئيس التنفيذي لشركة توتال إنرجيز الفرنسية، باتريك بويانيه، المشارك في الوفد المرافق لماكرون.
فبحسب دير شبيغل، قال بويانيه إن سوريا قد تصبح مستقبلا "مسارا بديلا" لمضيق هرمز، إذا سمحت الظروف الأمنية بذلك، معتبرا أن زيارة دمشق تمثل "مبادرة إيجابية" رغم استمرار التحديات الأمنية.
وقد يكون هذا التصريح هو المفتاح لفهم الاهتمام الفرنسي المتزايد بسوريا في هذه المرحلة.
فمنذ تصاعد التوترات في الخليج، برزت مخاوف متكررة بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.
وفي هذا السياق، أشارت دير شبيغل إلى أن العراق أعلن بالفعل، خلال الأشهر الماضية، بدء نقل جزء من صادراته النفطية عبر الأراضي السورية باستخدام الشاحنات، كما بدأ محادثات مع دمشق لإعادة تشغيل خط أنابيب نفطي قديم يربط البلدين.
ومن هنا، لم تعد سوريا بالنسبة إلى بعض العواصم الأوروبية مجرد دولة تحتاج إلى إعادة إعمار، بل أصبحت أيضا جزءا من النقاش المتعلق بأمن الطاقة وطرق نقلها نحو البحر المتوسط وأوروبا، وهو ما يفسر الاهتمام الذي تبديه شركات الطاقة الفرنسية بإعادة الانفتاح على دمشق.
رسالة سياسية رغم التحديات الأمنية
في الوقت نفسه، لم تغفل المجلة الألمانية الإشارة إلى أن زيارة ماكرون جرت في ظل ظروف أمنية معقدة، إذ شهدت دمشق انفجارين قرب الفندق الذي كان يقيم فيه الرئيس الفرنسي، ما أدى إلى إصابة عدد من الأشخاص.
ورغم ذلك، واصل ماكرون برنامج زيارته كما كان مقررا، في رسالة تعكس رغبة باريس في المضي قدما في بناء علاقتها مع السلطة السورية الجديدة، رغم استمرار التحديات الأمنية.
وبالنظر إلى مجمل ما نشرته لوباريزيان ودير شبيغل، تبدو إعادة أكثر من 50 مليون يورو مجرد عنوان إعلامي لزيارة تحمل أهدافا أوسع بكثير. لا تكتفي باريس بإغلاق ملف قضائي يتعلق بأموال عائلة الأسد، بل تعمل بالتوازي على إعادة فتح سفارتها، وإعادة شركاتها إلى السوق السورية، والمشاركة مبكرا في مشاريع إعادة الإعمار، مع مراقبة الفرص التي قد توفرها سوريا مستقبلا في مجال الطاقة والممرات التجارية.
لذلك، فإن السؤال الأهم لم يعد يتعلق بسبب إعادة الأموال، وإنما بما إذا كانت هذه الخطوة تمثل بداية مرحلة جديدة من الحضور الفرنسي في سوريا، تقوم على المصالح الاقتصادية بقدر ما تقوم على التقارب السياسي، في وقت تتنافس فيه قوى إقليمية ودولية على رسم ملامح سوريا ما بعد الحرب.





