تنعقد قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة وسط أجواء توصف بأنها الأكثر توترا منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
إلى جانب الحرب في أوكرانيا ومستقبل أمن أوروبا، تفرض الخلافات بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية نفسها على جدول الأعمال، سواء بسبب الحرب مع إيران أو الإنفاق الدفاعي أو مستقبل الدور الأميركي داخل الحلف.
وبينما يسعى ترامب إلى إلزام الحلفاء بتعهداتهم العسكرية، يحاول الأوروبيون الحفاظ على وحدة الحلف وتجنب مواجهة سياسية قد تهدد تماسكه.
ترامب يرفع سقف مطالبه ويهاجم الحلفاء
يدخل ترامب القمة وهو يطالب جميع أعضاء الناتو بالالتزام الفوري بخطة رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، بعدما اعتبر أن القمة السابقة في لاهاي شهدت موافقة الحلفاء على هذا الهدف، وأن الوقت حان لتنفيذه.
وقال السفير الأميركي لدى الناتو ماثيو ويتاكر إن الرئيس الأميركي "يتوقع بالكامل أن يبدأ جميع الحلفاء فورا السير على طريق الوصول إلى 5 بالمئة وبشكل عاجل".
كما تشير أسوشيتد برس إلى أن إدارة ترامب تريد الانتقال إلى ما تسميه "الناتو 3.0"، وهو تصور يقوم على تحمل أوروبا جزءا أكبر من مسؤولية أمنها، بما يسمح للولايات المتحدة بتحويل اهتمامها إلى مناطق أخرى.
في المقابل، تذكر صحيفة إل موندو أن ترامب لا يزال مستاء من عدد من الدول الأوروبية، بينها إسبانيا وإيطاليا وألمانيا، بسبب ما يعتبره نقصا في دعمها خلال المواجهة مع إيران، إضافة إلى خلافات تتعلق باستخدام القواعد العسكرية وحقوق العبور الجوي.
أوروبا تدافع عن موقفها وتخشى انقسام الحلف
في مواجهة الضغوط الأميركية، يسعى القادة الأوروبيون إلى إظهار جبهة موحدة، مع اختلاف مواقفهم بشأن وتيرة زيادة الإنفاق العسكري.
وأكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن أوروبا تدخل القمة "بكل ثقة"، مضيفا: "نقول للأميركيين إنكم تعتمدون علينا ونحن نعتمد عليكم، ومعا نحن قادرون على الدفاع عن أنفسنا"، بحسب إل موندو.
كما ردت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني على تصريحات ترامب بشأنها بقولها: "لا إيطاليا ولا أنا نذل أنفسنا".
من جانبها، ترى الباحثة أولريكه فرانكه من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، في تصريحات نقلتها سي إن بي سي، أن القمة تمثل انتقال الناتو "من تقاسم الأعباء إلى نقل الأعباء"، في إشارة إلى انتقال مسؤوليات أمن أوروبا تدريجيا من الولايات المتحدة إلى الأوروبيين. لكنها حذرت من أن الحفاظ على وحدة الصف سيكون صعبا إذا قرر ترامب استهداف بعض الدول بسبب إنفاقها الدفاعي.
قمة تحدد مستقبل الناتو وليس ميزانياته فقط
لا تقتصر القمة على مناقشة أرقام الإنفاق العسكري، بل تتناول أيضا مستقبل الحلف في ظل احتمال تقليص الدور الأميركي، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وقدرة أوروبا على بناء قاعدة صناعية دفاعية مستقلة.
ويشير تقرير سي إن بي سي إلى أن الحكومات الأوروبية وافقت مبدئيا على إنفاق المزيد، لكنها لا تزال تواجه تحديات في تحويل الميزانيات إلى قدرات عسكرية فعلية بسبب ضعف الطاقة الصناعية وسلاسل التوريد والبيروقراطية.
كما تؤكد الباحثة أولريكه فرانكه أن "هناك أموالا متاحة الآن، لكن أوروبا تحتاج إلى أن تكون قادرة على إنتاج المعدات".
بدورها، ترى أسوشيتد برس أن القمة ستكون بمثابة "أول اختبار" لتعهدات العام الماضي، فيما وصف الباحث لوك كوفي الاجتماع بأنه بطاقة تقييم لمدى التزام الحلفاء بما وعدوا به.
وفي الوقت نفسه، سيحاول الأمين العام للناتو مارك روته الحفاظ على انخراط واشنطن داخل الحلف، وتجنب تحول الخلافات السياسية إلى أزمة تهدد مستقبل التحالف العسكري الغربي.
أنقرة بين استضافة القمة وحسابات ترامب
تكتسب القمة بعدا إضافيا لأنها تعقد في أنقرة، حيث يصل ترامب وهو يكرر انتقاداته لحلفائه الأوروبيين، ويطالبهم بمزيد من "الولاء"، لكنه في الوقت نفسه يحرص على إظهار احترام خاص للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وبحسب صحيفة إل موندو، قال ترامب إنه يحضر قمة الناتو "احتراما لأردوغان"، رغم استيائه من حلفاء أوروبيين وصفهم بأنهم "فظيعون"، بسبب مواقفهم من الحرب مع إيران والإنفاق الدفاعي. وهذا يمنح تركيا موقعا حساسا في القمة، فهي ليست مجرد دولة مضيفة، بل طرف يحاول استثمار العلاقة الخاصة بين أردوغان وترامب لتأكيد حضوره داخل الحلف.
وتشير أسوشيتد برس إلى أن ترامب يعتزم عقد لقاء منفصل مع أردوغان، الذي يعتبره صديقا مقربا، في حين لا توجد اجتماعات ثنائية مقررة مع معظم القادة الأوروبيين. وهذا يعزز الانطباع بأن أنقرة قد تتحول إلى منصة لإبراز التقارب الأميركي التركي، مقابل توتر واضح بين واشنطن وعواصم أوروبية رئيسية.
أما بالنسبة إلى تركيا، فإن نجاح القمة يعني تفادي انفجار دبلوماسي داخل الناتو، وإثبات أن أي صيغة جديدة للأمن الأوروبي لا يمكن أن تتجاهل دور أنقرة، خصوصا مع ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأوروبي وسعي تركيا إلى ضمان موقعها في عقود التسليح والمشروعات العسكرية المقبلة.





