في المدن والقرى الواقعة تحت السيطرة الروسية، لم تعد المقاومة الأوكرانية تشبه صورها الأولى عندما كان السكان يرفعون الأعلام أو يكتبون الشعارات المناهضة لموسكو على الجدران.
مع تشديد الرقابة وانتشار الكاميرات وعمليات التفتيش، انتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر سرية. تعمل خلف الحواجز العسكرية وشبكات المراقبة شبكة من النساء والرجال على جمع المعلومات وتحديد الأهداف وتوجيه الضربات بالطائرات المسيرة، في حرب استخباراتية لا تظهر تفاصيلها إلا نادرا.
من رسائل الغرام إلى إحداثيات الضربات
تتحدث مجلة ذا أتلانتيك عن قصة غير مألوفة لقائد شيشاني يدعى أحمد كان متمركزا في جنوب أوكرانيا.
على مدى أشهر، تبادل رسائل عبر واتساب مع امرأة أوكرانية قال لها الكثير عن حياته اليومية وموقعه العسكري. وعندما أرسل لها صورة من داخل ثكنته، ظهر في الخلفية مخطط للموقع العسكري يحدد مكان الوحدة التي يخدم فيها.
لكن المرأة لم تكن موجودة أصلا. بحسب التقرير، كان الحساب يدار من قبل ضابط استخبارات أوكراني يدعى سيرهي، ضمن برنامج يهدف إلى استدراج الجنود الروس وحلفائهم للحصول على معلومات حساسة. وبعد فترة قصيرة من إرسال الصورة، تعرض الموقع لضربة بطائرة مسيرة أوكرانية.
ويقول قائد سيرهي للمجلة إن زميله كان بارعا في بناء العلاقات عبر الإنترنت، إلى درجة أن أفراد وحدته كانوا يطلبون منه نصائح في المواعدة، قبل أن تتحول تلك العلاقات إلى مصدر معلومات يستخدم في تحديد الأهداف العسكرية.
نساء في قلب شبكة الحرب
مع مرور الوقت، أصبحت النساء العمود الفقري لشبكات المقاومة داخل المناطق الخاضعة لسيطرة روسيا.
توضح ذا أتلانتيك أن كثيرا منهن يعملن في المدارس والعيادات والإدارات المحلية التي تديرها السلطات الروسية، بينما يقمن في الوقت نفسه بنقل المعلومات إلى الاستخبارات الأوكرانية.
ويقول بيترو أندريوشينكو، الذي يدير شبكة من العملاء داخل ماريوبول، إن النساء يستفدن من افتراضات الجنود الروس الذين لا يتوقعون أن تكون امرأة مسنة أو موظفة عادية جزءا من منظومة عسكرية. ويضيف أن جدة تمر يوميا أمام ثكنة روسية قد تكون الحلقة الأولى في سلسلة تنتهي بضربة جوية.
وتنقل المجلة عن السياسية الأوكرانية السابقة ليسيا أوروبيتس أن عناصر المقاومة يطلقون على بعض النساء اسم "فيدما"، وهي كلمة أوكرانية تعني "الساحرة"، لكنها ترتبط في الثقافة المحلية بالحكمة والمعرفة أكثر من ارتباطها بالسحر.
وتقول إن هؤلاء النساء أصبحن من أكثر أدوات الاستخبارات الأوكرانية فعالية داخل الأراضي التي تسيطر عليها روسيا.
حرب معلومات لا تتوقف
بحسب التقرير، لم تعد الحرب تعتمد على العمليات الرمزية بقدر اعتمادها على جمع المعلومات.
بعد أن أحكمت روسيا سيطرتها على المدن المحتلة، أصبحت أي مظاهر علنية لدعم أوكرانيا تعرض أصحابها للاعتقال أو التعذيب. ويقول دميترو، وهو أحد العناصر المسلحة في خيرسون، إن التعبير عن المواقف المؤيدة لأوكرانيا قد يقود مباشرة إلى ما يعرف محليا باسم "القبو"، في إشارة إلى مراكز الاحتجاز والتحقيق الروسية.
كما يوضح التقرير أن أجهزة الأمن الروسية نشرت شبكات مراقبة واسعة وتستخدم تطبيقات مثبتة مسبقا على الهواتف المباعة في المناطق المحتلة لجمع البيانات ومراقبة الاتصالات. ولهذا تعتمد الشبكات على هواتف مهربة من المناطق الخاضعة لكييف وعلى قنوات اتصال مشفرة لتبادل المعلومات.
ويقول إيغور كرافتشينكو، قائد وحدة للطائرات المسيرة في الجيش الأوكراني، إن نسبة كبيرة من الضربات التي تنفذها طائراته تعتمد على معلومات تصل من داخل المناطق المحتلة.
وفي بعض الحالات، لا تمر سوى دقائق أو ساعات بين إرسال الإحداثيات وتنفيذ الضربة. أما أوروبيتس فتؤكد أن الهدف من هذه الشبكات هو منع الجنود الروس من الوصول إلى خطوط القتال أصلا، عبر استهدافهم قبل انتقالهم إلى الجبهة.
وبينما تدور المعارك العسكرية على الجبهات المفتوحة، يشير نقرير ذا أتلانتيك إلى وجود حرب أخرى أقل ظهورا، تعتمد على المعلومات والعلاقات السرية والعمل الاستخباراتي، وتلعب فيها النساء دورا محوريا داخل واحدة من أكثر شبكات المقاومة تعقيدا في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.





