في إحدى أمسيات سبتمبر 2025، كان فتى هولندي يبلغ من العمر 17 عاما يجلس في غرفته بمدينة روتردام لإنجاز واجباته المدرسية عندما سمع أفراد أسرته طرقا على الباب.

خلال دقائق، اقتحم 8 عناصر شرطة منزله وصعدوا مباشرة إلى غرفته. لم يكن الفتى متهما بالمخدرات أو السرقة أو العنف، بل بالعمل لصالح دولة أجنبية.

تقول صحيفة فايننشال تايمز إن التحقيقات كشفت أن المراهق، وهو لاعب ألعاب إلكترونية بارع في الحاسوب، جرى تجنيده عبر تطبيق تلغرام لصالح جهات روسية بهدف التجسس على مؤسسات أمنية في لاهاي باستخدام أجهزة لاعتراض شبكات واي فاي. وعندما حاول والده فهم ما حدث، قال عبارة أصبحت تلخص أزمة متنامية في أوروبا: "نربي أبناءنا لمواجهة التدخين والسجائر الإلكترونية والكحول والمخدرات، لكن ليس لمواجهة شيء كهذا".

وتشير فايننشال تايمز إلى أنّ أجهزة الأمن الأوروبية تواجه اليوم ظاهرة جديدة تتمثل في تجنيد المراهقين عبر الإنترنت للقيام بعمليات تجسس وتخريب وحرق منشآت وجمع معلومات استخباراتية لصالح روسيا وإيران، مستغلين منصات الألعاب ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءا أساسيا من حياة الأجيال الشابة.

📱

Loading TikTok...

كيف تستدرج روسيا وإيران المراهقين؟

بحسب تحقيق فايننشال تايمز، تبدأ العملية غالبا برسالة تبدو عادية على منصات مثل تلغرام وتيك توك وسناب شات وفيسبوك وديسكورد. يعرض المجندون على المراهقين مبالغ مالية، غالبا بالعملات المشفرة، مقابل تنفيذ مهام بسيطة في البداية.

ويقول دومينيك مورفي، الرئيس السابق لقيادة مكافحة الإرهاب في شرطة لندن، للصحيفة: "الدول المعادية تستهدف المراهقين بشكل واضح". وأضاف أنّه فوجئ بحجم الظاهرة وسرعة انتشارها خلال الأشهر الـ١٨ الأخيرة، مشيرا إلى أنّ أعدادا كبيرة من الشباب أبدت استعدادا للمشاركة في أنشطة بدأت عبر الإنترنت ثم تحولت بسرعة إلى أعمال على أرض الواقع.

وتوضح الصحيفة أنّ ألعاب الإنترنت تحوّلت إلى ساحة رئيسية للتجنيد، حيث يستخدم في أوكرانيا عملاء روس غرف الدردشة داخل لعبة وورلد أوف تانكس للتواصل مع الشباب قبل نقل المحادثات إلى تلغرام.

ويشبه أحد المسؤولين العسكريين الغربيين هذه الآلية بلعبة بوكيمون غو، لكن بدلا من البحث عن شخصيات افتراضية، يطلب من المراهقين البحث عن أنظمة دفاع جوي أو مواقع حساسة والتقاط صور لها.

كما حذّرت المديرة السابقة لوكالة الشرطة الأوروبية، يوروبول، كاثرين دي بول من أن المراهقين يمثلون هدفا مثاليا للمجندين بسبب هشاشتهم النفسية ورغبتهم في الحصول على الاهتمام والشعور بالأهمية، مؤكّدة أن المجرمين وأجهزة الاستخبارات يجدون سهولة كبيرة في الوصول إليهم عبر المنصات الرقمية.

📱

Loading TikTok...

من التصوير إلى التفجير.. سلم تصاعدي من المهام

تكشف فايننشال تايمز أن عمليات التجنيد لا تتوقف عند جمع المعلومات. فالمراهقون ينتقلون تدريجيا من مهام بسيطة إلى عمليات أكثر خطورة.

وبحسب جهاز الأمن الأوكراني، جندت الاستخبارات الروسية أطفالا تتراوح أعمارهم بين 15 و16 عاما لتصوير مواقع الدفاع الجوي حول مدينة خاركيف. وقد استخدمت موسكو لاحقا المعلومات التي جمعها هؤلاء المراهقون لتنفيذ ضربات جوية على المدينة. كما كلف بعضهم بإحراق مركبات عسكرية أوكرانية.

وتقول الصحيفة إن أصغر طفلين جندتهما روسيا في أوكرانيا كانا في الحادية عشرة من العمر فقط. وقد طلب منهما إحراق سيارات وصناديق كهرباء في مبان سكنية.

وتشرح المحللة لورا برادي من مؤسسة إيرنديل أسوشيتس سبب التركيز على المراهقين بقولها إن الأطفال أقل ميلا لطرح الأسئلة وأكثر اندفاعا وأرخص تكلفة من البالغين، ما يجعلهم "خط المقاومة الأضعف" بالنسبة للمجندين الروس.

وفي إحدى القضايا التي أوردتها الصحيفة، لقي فتى أوكراني يبلغ 17 عاما مصرعه بينما فقد شريكه البالغ 15 عاما ساقيه بعد انفجار عبوة ناسفة كانا يعدانها لصالح جهات روسية مقابل 1700 دولار. ويصف مسؤولون أوكرانيون هؤلاء الشباب بأنهم يتحولون أحيانا إلى "عملاء للاستخدام مرة واحدة".

أمّا في أوروبا الغربية، فقد رصدت أجهزة الأمن حالات لمراهقين تورطوا في إحراق معابد يهودية ومركبات إسعاف وممتلكات مرتبطة بالجاليات اليهودية، بينما وجهت اتهامات إلى شبان في بريطانيا وفرنسا وهولندا بالعمل لصالح شبكات مرتبطة بإيران.

📱

Loading TikTok...

إيران تتبع النموذج الروسي

بحسب فايننشال تايمز، لم تعد روسيا وحدها تستخدم هذه الأساليب. فقد تبنت إيران نمطا مشابها في إسرائيل وأوروبا.

وتشير الصحيفة إلى أن صبيا إسرائيليا يبلغ 14 عاما وجهت إليه اتهامات بالتواصل مع عميل أجنبي بعد أن استجاب لرسائل عبر تلغرام تعرض عليه أموالا بالعملات المشفرة مقابل تنفيذ مهام مختلفة.

وتقول النيابة الإسرائيلية إنه صور مقر كيريا العسكري في تل أبيب ووثق آثار ضربات صاروخية إيرانية وكتب شعارات على الجدران مقابل أكثر من 1100 دولار تلقاها عبر محافظ رقمية متعددة.

وكان جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، الشاباك، قد أصدر تحذيرا للأهالي أكد فيه أن أطفالا ومراهقين إسرائيليين يتلقون رسائل تبدو بريئة تطلب منهم تصوير مبان ومنشآت وجمع معلومات أو تحديد مواقع حساسة، قبل أن تكشف التحقيقات أن جهات إيرانية تقف وراء هذه المحاولات بهدف تجنيد قاصرين لأغراض التجسس.

كما نقلت الصحيفة عن مسؤول أمني غربي قوله إن إيران تستفيد من الخبرات الروسية في هذا المجال، مضيفا أن الاستخبارات العسكرية الروسية تعلم الحرس الثوري الإيراني أساليب الحرب الهجينة والتخريب والتجنيد السري.