قد تنتهي الحرب على الجبهة، لكنها لا تنتهي دائما في نفوس من خاضوها. هكذا يبدو حال آلاف جنود الاحتياط الإسرائيليين الذين عادوا إلى منازلهم من غزة ليجدوا أنفسهم في مواجهة معركة مختلفة.

لا تدور معركة هؤلاء الجنود حول الرصاص أو الصواريخ، بل حول الصدمات النفسية والأدوية المهدئة والكحول والمواد المخدرة. وبينما تركز المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على إعادة تأهيل المصابين والجرحى، تتحدث تقارير وشهادات متزايدة عن أزمة تتسع داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث يحاول بعض الجنود التعامل مع آثار الحرب بوسائل قد تتحول بدورها إلى مشكلة جديدة.

📱

Loading TikTok...

حين يعود الجنود وتبقى الحرب

ذكرت صحيفة إل كونفيدنسيال في تقرير لها قصة جوشوا بون، وهو جندي احتياط خدم أكثر من 700 يوم في غزة ولبنان قبل العثور عليه متوفيا مطلع هذا العام.

وبينما اكتفى الجيش الإسرائيلي بالقول إن ظروف الوفاة قد تكون مرتبطة بخدمته العسكرية، قال أحد رفاقه السابقين للصحيفة إن بون كان يعاني مشكلات خطيرة مع الكحول ومواد أخرى، مرجحا أن تكون وفاته ناجمة عن جرعة زائدة.

وتنقل الصحيفة عن جنود احتياط سابقين أن حالات الانتحار والاضطرابات النفسية أصبحت أكثر حضورا منذ اندلاع الحرب، وأن بعض العائدين من الجبهة يجدون في المخدرات أو الكحول وسيلة للهروب من الذكريات التي يحملونها معهم إلى الحياة المدنية.

كما تشير إلى أن الحرب المستمرة على عدة جبهات منذ أكتوبر 2023 حرمت كثيرين من فترات الراحة الطبيعية بين جولات الخدمة العسكرية، ما فاقم الضغوط النفسية المتراكمة.

وتقول المعالجة النفسية غاليت سنيه من منظمة "ناتال" المتخصصة في علاج الصدمات النفسية إن الجنود يعيشون خلال المعارك في "وضع البقاء"، حيث يركز الدماغ على الاستمرار في أداء المهمة. لكن عند العودة إلى المنزل، تعود المشاعر والذكريات دفعة واحدة، وتبدأ الصدمة بالظهور.

أدوية الألم.. معركة جديدة بعد الإصابة

ولا تقتصر الأزمة على الاضطرابات النفسية، حيث يواجه، بحسب تحقيق نشره موقع شومريم، عدد متزايد من الجنود الجرحى خطر الإدمان على المسكنات الأفيونية التي توصف لهم خلال العلاج وإعادة التأهيل.

ونقل التحقيق شهادة الجندي إيلي، الذي قال إنه كان يتناول ما بين 12 و15 حبة دواء يوميا، نصفها للألم والنصف الآخر لعلاج آثار الصدمة النفسية. وأضاف أنه اكتشف متأخرا حجم اعتماده على هذه الأدوية عندما حاول التوقف عنها، حيث عانى أعراض انسحاب شديدة استمرت أسابيع.

كما روى جندي آخر يدعى يوفال أنه تلقى خلال فترة علاجه مجموعة واسعة من المسكنات القوية، بينها المورفين والأوكسيكودون. ويشير التحقيق إلى ارتفاع كبير في وصف الأدوية الأفيونية داخل مراكز إعادة التأهيل الإسرائيلية بعد اندلاع الحرب. في مستشفى شيبا، ارتفع عدد جرعات بعض المسكنات المحتوية على الأوكسيكودون من 194 جرعة في سبتمبر 2023 إلى أكثر من 800 جرعة بعد أشهر قليلة من الحرب.

ويحذر الباحث أورين ميرون من جامعة بن غوريون من أن المشكلة لا تكمن فقط في استخدام هذه الأدوية داخل المستشفيات، بل في ما يحدث بعد عودة الجرحى إلى منازلهم، حيث يصبح خطر الاعتماد عليها أكبر في ظل ضعف المتابعة اليومية.

أرقام تكشف حجم الأزمة

وتعكس الأرقام الرسمية حجم الضغوط المتزايدة داخل إسرائيل. فقد قالت تمار شيموني، نائبة رئيس قسم إعادة التأهيل في وزارة الدفاع الإسرائيلية، إن عدد العسكريين الذين يتلقون علاجا نفسيا ارتفع من نحو 62 ألف حالة عند اندلاع الحرب إلى نحو 85 ألف حالة حاليا، ووصفت الزيادة بأنها غير مسبوقة.

وأضافت شيموني أن نحو ثلث الجنود الإسرائيليين يعانون مشكلات نفسية مرتبطة بأحداث السابع من أكتوبر والحرب التي تلتها، مشيرة إلى أن بعض المعالجين باتوا يتابعون مئات الحالات في وقت واحد.

وتقدم مجلة أوريان 21 صورة أوسع للأزمة، إذ تنقل عن خبراء ومختصين أن معدلات استخدام المهدئات ارتفعت بشكل حاد منذ اندلاع الحرب، كما ازدادت وصفات الأدوية الأفيونية بنسبة كبيرة. ويقول البروفيسور شاؤول ليف ران، مؤسس المركز الإسرائيلي للإدمان، إن نسب الاعتماد على المواد المخدرة أو المسببة للإدمان ارتفعت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.

أما المتحدثة باسم منظمة ناتال إيفات موراد، فتصف ما يجري بأنه "صدمة وطنية" تتجاوز حدود الجنود أنفسهم لتطال المجتمع الإسرائيلي بأكمله. وتشير إلى أن المنظمة وسعت خدماتها بشكل كبير منذ بدء الحرب لمواكبة الطلب المتزايد على الدعم النفسي والاجتماعي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تتحول آثار الحرب من أزمة عسكرية إلى أزمة صحية واجتماعية طويلة الأمد.