لم تعد مواجهة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مع واشنطن مجرّد خلاف عابر مع رئيس أميركي.

يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي تحويل التصادم مع إدارة دونالد ترامب إلى رصيد سياسي داخلي، عبر الظهور بموقع من لا يتراجع تحت الضغط.

لكن هذه المرة، تبدو الكلفة أكبر، مذكرة ترامب مع إيران قد تتعطل، فيما تتراجع صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، وتدفع حكومتها عشرات الملايين لمحاولة ترميمها.

صدام يتحول إلى ورقة سياسية

بحسب i24news، المواجهات مع رؤساء الولايات المتحدة ليست جديدة على نتنياهو.

فمن كلينتون إلى بايدن، بنى رئيس الوزراء الإسرائيلي نهجا يقوم على التعاون حين يكون ممكنا، والمواجهة حين يراها ضرورية.

وبلغ هذا النهج ذروته مع باراك أوباما خلال الخلاف على الاتفاق النووي، ثم ظهر مجددا مع إدارة بايدن في ملفات رفح والمساعدات الإنسانية.

لكن الخلاف الحالي مع ترامب لا يجري في فراغ. فالعلاقة التي بدأت كـ"شهر عسل" سياسي، تحولت إلى علاقة أكثر توترا، خصوصا بعدما دخلت مذكرة واشنطن مع طهران على خط الحسابات الإسرائيلية.

تحذير استخباراتي من نتنياهو

وفق واشنطن بوست، حذرت وكالات الاستخبارات الأميركية إدارة ترامب من أن نتنياهو قد يتخذ خطوات تقوض مسعى الرئيس الأميركي للتوصل إلى اتفاق سلام دائم مع إيران.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين أن الضغط السياسي الداخلي على نتنياهو يدفعه إلى مواصلة الحملة العسكرية ضد حزب الله.

وتقاطعت هذه الخلاصة مع ما نقلته إسرائيل هيوم، بأن تقريرا استخباراتيا أميركيا قُدم إلى إدارة ترامب خلص إلى أن مستقبل نتنياهو السياسي يرتبط بإقناع الجمهور الإسرائيلي بأنه لا ينوي التراجع، وأنه مصمم على مواصلة القتال ضد حزب الله.

فالاتفاق مع إيران يتطلب تهدئة الجبهات، بينما يرى نتنياهو أن أي وقف للحرب أو انسحاب سيُقرأ داخل إسرائيل كعلامة هزيمة.

ترامب يضغط.. ونتنياهو يحسب الداخل

خلال مؤتمر صحافي في فرنسا، قال ترامب إن لديه "خلافا صغيرا" مع نتنياهو بشأن لبنان، وإنه دعاه إلى عدم "إسقاط مبان في بيروت كلما دخل إليها شخص من حزب الله".

وبحسب واشنطن بوست، تقول إدارة ترامب إن الاتفاق لا يمنع إسرائيل من الرد إذا تعرضت لهجوم، لكنها ترى أن إنجاز الاتفاق مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز أولوية لتجنب أزمة اقتصادية عالمية.

في المقابل، تشير الصحيفة إلى أن 70% من اليهود الإسرائيليين يؤيدون تكثيف القتال ضد حزب الله، وفق استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي. هذا الرقم يوضح لماذا يصعب على نتنياهو الظهور بموقع المتراجع، خصوصا مع اقتراب انتخابات في الخريف.

إسرائيل تخسر جمهورها الأميركي

المأزق لا يقتصر على البيت الأبيض. فبحسب هآرتس، تتراجع مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، حتى لدى شرائح كانت تُعد تقليديا مؤيدة لها.

وتقول الصحيفة إن الحكومة الإسرائيلية تدفع أكثر من 40 مليون دولار لحملة تأثير تستهدف الجمهوريين المسيحيين، بعدما توسعت ميزانيتها إلى 3 أضعاف ما كان مخصصا لها.

وتشير هآرتس إلى أن الحملة، التي بدأت أواخر العام الماضي، تركز الآن على تبرير الحرب في إيران، وعلى التأثير في محركات البحث وروبوتات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إنتاج محتوى رقمي موجه للرأي العام الأميركي.

بهذا المعنى، لا يخوض نتنياهو مواجهة واحدة فقط. فهو يصارع ضغط ترامب من جهة، وضغط الجمهور الإسرائيلي من جهة ثانية، وتآكل صورة إسرائيل في الولايات المتحدة من جهة ثالثة.

وما كان في السابق أسلوبا سياسيا رابحا، أي تحدي واشنطن لكسب الداخل، قد يتحول الآن إلى مقامرة تهدد اتفاق ترامب مع إيران وتكشف حدود الدعم الأميركي لإسرائيل.