منذ اندلاع المواجهة الأخيرة بين واشنطن وطهران، كرر الرئيس الأميركي الحديث عن قرب التوصل إلى صفقة تنهي الحرب وتعيد الاستقرار إلى المنطقة. لكن كل إعلان جديد كان يعقبه تصعيد جديد أو تراجع جديد أو جولة أخرى من المفاوضات غير الحاسمة.
وبينما يواصل ترامب الحديث عن اتفاق قد يوقع "خلال أيام"، تزداد المؤشرات على أن المشكلة لم تعد في توقيت الصفقة بل في غياب طريق واضح للوصول إليها.
وترى صحيفة دير شبيغل الألمانية أنّ المسار المتعرج الذي يتبعه ترامب بين التهديد والتراجع لم يعد يعكس استراتيجية تفاوضية ناجحة، بل يكشف أن الرئيس الأميركي لا يملك خطة واضحة للتعامل مع إيران.
وفي الاتجاه نفسه، تذهب صحيفة إل موندو الإسبانية إلى أن الطرفين باتا عالقين في مواقف متناقضة تجعل الاتفاق أكثر صعوبة رغم الحديث المتكرر عن قربه.. فهل أصبح ترامب أسير حرب لم ينجح في حسمها ولا في إنهائها؟
سياسة التهديد والتراجع تفقد فعاليتها
بحسب دير شبيغل، بنى ترامب جزءا كبيرا من صورته السياسية على فكرة "اللايقينية" أو عدم القدرة على التنبؤ بخطواته المقبلة. في وقت كان أنصاره يرون أن التهديد بالتصعيد ثم التراجع في اللحظة الأخيرة يمنحه أوراق ضغط إضافية في المفاوضات، ترى المجلة الألمانية ترى أن هذه المقاربة لم تعد تحقق النتائج نفسها مع إيران.
وتشير الصحيفة إلى أن ترامب انتقل خلال أيام قليلة من التلويح بضرب إيران والسيطرة على جزيرة خرج النفطية إلى إعلان أن الاتفاق بات جاهزا تقريبا وأن الحرب انتهت فعليا. لكن طهران لم تؤكد هذه الرواية، بل وصف متحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية تلك التقارير بأنها "مجرد تكهنات".
كما نقلت المجلة عن آنا كيلي، نائبة المتحدث باسم البيت الأبيض، قولها إن الرئيس يحافظ على "الغموض الاستراتيجي والمرونة" للإبقاء على أكبر عدد ممكن من الخيارات. لكن خبراء تفاوض يرون أن المشكلة تكمن في أن الخصوم والحلفاء باتوا يعتبرون هذا السلوك متوقعا ومتكررا، ما أضعف عنصر المفاجأة الذي شكل سابقا أحد أهم أدوات ترامب.
هرمز يمنح إيران ورقة لا تملك واشنطن ما يعادلها
ترى إل موندو أن السبب الرئيسي لفشل جهود التوصل إلى اتفاق لا يعود فقط إلى الخلافات السياسية، بل إلى اختلال ميزان الضغط بين الطرفين.
تمتلك إيران، بحسب الصحيفة، ورقة استراتيجية لم تكن مضطرة إلى استخدامها في السابق، وهي قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز.
وتقول الصحيفة إن إغلاق المضيق أو التهديد بإغلاقه يمنح طهران نفوذا تفاوضيا يفوق تأثير الكثير من الحملات العسكرية، لأن تكلفة تعطيل تدفق الطاقة تظهر فورا على الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، لا تستطيع واشنطن تقديم الضمانات التي تطالب بها إيران من دون أن تبدو وكأنها رضخت للضغط العسكري. ولهذا السبب، ترى الصحيفة أن الجانبين يريدان إنهاء الحرب لكنهما عالقان في مواقف يصعب التوفيق بينها.
وتستشهد دير شبيغل بتقدير لمحلل المخاطر بريت إريكسون الذي قال إن إيران تبدو مستعدة للعودة إلى الحرب إذا لزم الأمر، بينما يبدو ترامب حريصا على تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مضيفا أن امتلاك نفوذ تفاوضي يصبح صعبا عندما يدرك الطرف الآخر هذه الحقيقة.
حرب بلا منتصر وصفقة شبه مستحيلة
بحسب إل موندو، لا تقتصر العقبة على الخلاف الأميركي الإيراني. إيران لا تريد توقيع اتفاق يمكن أن يفسر داخليا باعتباره استسلاما للولايات المتحدة، لأن ذلك يضرب سردية "المقاومة" التي استند إليها النظام لعقود. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع ترامب القبول باتفاق يترك لإيران قدرة نووية متبقية في ظل الضغوط الإسرائيلية المستمرة.
وتضيف الصحيفة أن أي اتفاق حقيقي يحتاج إلى معالجة ملفات عدة في وقت واحد، من البرنامج النووي إلى إعادة فتح هرمز ورفع العقوبات والضمانات الأمنية ودور الجماعات الحليفة لإيران في المنطقة. وترى أنّ محاولة حلّ كل هذه الملفات خلال أسابيع قليلة تبدو مهمة شبه مستحيلة.
ويذهب أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو روبرت بايب إلى أبعد من ذلك، إذ يعتبر أن ترامب وقع في "فخ التصعيد". ونقلت عنه الصحيفة قوله إن الحرب تدخل مرحلة جديدة وإن وقف إطلاق النار الهش يتعرض للتآكل تدريجيا. وبدلا من أن تقود العمليات العسكرية إلى اتفاق، يبدو أن النتيجة الأقرب هي استمرار دورة التصعيد والتهدئة من دون حسم سياسي أو عسكري واضح.





