في وقت تتزايد المنافسة الاستخباراتية بين واشنطن وبكين، لم تعد محاولات جمع المعلومات الحساسة تقتصر على العملاء السريين أو عمليات الاختراق الإلكتروني.

بحسب وزارة العدل الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، كشفت السلطات شبكة من 13 موقعا إلكترونيا قدّمت نفسها على أنها شركات استشارات دولية، بينما كانت مهمتها الحقيقية استدراج مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، بينهم حاملو تصاريح أمنية، للحصول على معلومات حساسة مقابل مبالغ مالية.

وتشير التحقيقات إلى أن القائمين على هذه المواقع استخدموا هويات مزيفة وصورا مولدة بالذكاء الاصطناعي ومنصات توظيف معروفة لإضفاء المصداقية على عمليات التجنيد.

13 شركة استشارية.. وهدف واحد

أعلنت وزارة العدل الأميركية في 10 يونيو 2026 مصادرة 13 نطاقا إلكترونيا قالت إنّها استخدمت لاستهداف أميركيين يملكون إمكانية الوصول إلى معلومات حكومية مصنفة أو حساسة.

ووفقا لوثائق المحكمة، بدأ إنشاء هذه المواقع منذ نوفمبر 2023 تحت غطاء شركات استشارية وهمية تعرض وظائف عامة مثل "محلل أول" و"مستشار للشؤون الدولية" وتدعي أنّها تبحث عن خبراء لتقديم دراسات وتقارير لعملاء غير محددين.

وقالت المدعية العامة الفيدرالية في مقاطعة كولومبيا، جانين فيريس بيرو، إنّ هذه المواقع "صُمّمت لخداع" الأميركيين العاملين في مواقع حساسة، مؤكّدة أنّ السلطات تمكنت من تعطيل المخطط قبل تحقيق أهدافه.

كما أوضح مساعد وزير العدل للأمن القومي، جون أيزنبرغ، أنّ الجهات الأجنبية استخدمت "وعود الدخل السهل" لاستدراج أشخاص ملزمين قانونيا بحماية معلومات حساسة أو سرية.

وشملت المواقع المصادرة أسماء تبدو مهنية وذات طابع دولي، مثل Centrik Global Consulting وCatalyst Global Solutions وPulse Wave Global وغيرها، في محاولة لإضفاء الشرعية على عمليات التواصل مع المرشحين.

الذكاء الاصطناعي ومنصات التوظيف في خدمة التجنيد

بحسب إفادة مكتب التحقيقات الفيدرالي، استخدم القائمون على الشبكة وسائل متعددة لإخفاء هوياتهم وبناء صورة احترافية للمواقع، من بينها صور مولدة بالذكاء الاصطناعي وهويات وهمية وسرقة بيانات وصور حقيقية من شركات أجنبية قائمة.

كما استخدمت إعلانات الوظائف على منصات معروفة مثل LinkedIn وUpwork وWellfound وHubstaff Talent وExpertia AI لاستقطاب المرشحين.

وقال رومان روزهافسكي، مساعد مدير قسم مكافحة التجسس في FBI، إن أجهزة الاستخبارات الصينية باتت تستخدم الذكاء الاصطناعي ومواقع التواصل المهني ومنصات الدفع الإلكتروني "لخداع أو تجنيد أو إكراه" حاملي التصاريح الأمنية الأميركية الحاليين والسابقين. وأضاف أنّ المكتب رصد خلال السنوات الأخيرة اعتماد هذه الأدوات بشكل متزايد في محاولات الوصول إلى معلومات حساسة.

وتشير وثائق المحكمة إلى أنّ المشغلين كانوا يعرضون مبالغ مالية مرتفعة نسبيا مقابل إعداد تقارير بحثية، ثم يطلبون تدريجيا معلومات أكثر حساسية تحت غطاء العمل الاستشاري.

كما لجأوا إلى تطبيقات مشفرة مثل تيليغرام للتواصل مع المرشحين، واستخدموا العملات المشفرة وحسابات مالية أجنبية لإخفاء مصدر الأموال وهويات القائمين على العملية.

من التقارير العامة إلى المعلومات السرية

توضح وثائق التحقيق أن بعض الأشخاص الذين جرى استقطابهم طلب منهم إعداد أوراق حول قضايا تهم الحكومة الصينية، بينها العلاقات الصينية الأميركية والحرب بين إسرائيل والفلسطينيين والملف الإيراني. لكن المحققين يقولون إن العملية لم تتوقف عند حدود الدراسات المفتوحة المصدر، إذ تعرض المرشحون لضغوط متزايدة لتقديم معلومات "حصرية" أو "من الداخل".

ووفقا لوزارة العدل، استهدفت الشبكة بشكل خاص مسؤولين حاليين وسابقين في الحكومة الأميركية والقوات المسلحة ممن يمتلكون أو امتلكوا تصاريح أمنية. وأشارت التحقيقات إلى أنّ القائمين على المواقع استخدموا عقودا واتفاقيات سرّية لإضفاء مظهر قانوني على نشاطهم، بينما كان الهدف الفعلي الحصول على معلومات قد تخالف الواجبات الوظيفية للمستهدفين.

ورغم أنّ القائمين على المواقع نفوا أي ارتباط بحكومة أجنبية، فإنّ مكتب التحقيقات الفيدرالي قال إنّه يعتقد أن المشغلين كانوا يعملون، "عن علم أو من دون علم"، لصالح مصالح مرتبطة بالحكومة الصينية. وحتى الآن لم تكشف السلطات الأميركية ما إذا كانت أي معلومات مصنفة قد وصلت بالفعل إلى المشغلين، لكن عملية المصادرة تعكس تصاعد القلق الأميركي من استخدام أدوات التوظيف الرقمي والذكاء الاصطناعي كوسائل جديدة لجمع المعلومات الاستخباراتية.