هل يمكن أن يتوقف تطور الذكاء الاصطناعي بسبب استهلاكه العالي للكهرباء؟ لا تقدم التقارير الدولية دليلا قاطعا بأن الذكاء الاصطناعي سيتوقف، لكنها ترسم صورة أكثر تعقيدا، التكنولوجيا تتوسع بسرعة، لكن البنية التحتية التي تشغّلها، من مراكز بيانات ورقائق وشبكات كهرباء ومياه تبريد، تتحول إلى اختبار ضخم لقدرة العالم على تمويل هذه الطفرة وتشغيلها من دون رفع كلفة الكهرباء، أو زيادة الاعتماد على الغاز والفحم، أو نقل الأعباء البيئية إلى المجتمعات.
بحلول عام 2030، قد لا يكون السؤال فقط، ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل، من أين ستأتي الكهرباء التي يحتاجها؟ ومن سيدفع كلفتها؟
كهرباء بحجم دول
بحسب تقرير جامعة الأمم المتحدة، من المتوقع أن تستهلك مراكز البيانات العالمية التي تشغل الذكاء الاصطناعي 945 تيراواط/ساعة من الكهرباء بحلول عام 2030، أي ما يقارب 3 أضعاف الاستهلاك السنوي المشترك للكهرباء في باكستان وبنغلاديش ونيجيريا، وهي دول تضم مجتمعة أكثر من 650 مليون شخص.
ويضع التقرير الرقم في سياق أوسع، البصمة المائية المرتبطة بهذا الاستهلاك ستعادل الاحتياجات الأساسية السنوية من المياه المنزلية لجميع سكان إفريقيا جنوب الصحراء، البالغ عددهم 1.3 مليار شخص، فيما ستتجاوز البصمة الأرضية 14500 كيلومتر مربع.
وتقدم وكالة الطاقة الدولية تقديرا آخر للمسار نفسه. فإمدادات الكهرباء العالمية المخصصة لمراكز البيانات مرشحة للارتفاع من 460 تيراواط/ساعة في عام 2024 إلى أكثر من 1000 تيراواط/ساعة في عام 2030، ثم 1300 تيراواط/ساعة في عام 2035 في حالة الأساس.
ورغم أن مراكز البيانات ستبقى جزءا محدودا نسبيا من نظام الكهرباء العالمي، إذ ترتفع من نحو 1% من توليد الكهرباء اليوم إلى 3% في 2030، فإن الضغط يظهر بقوة حين تتركز هذه المراكز في مناطق محددة وشبكات محددة.
الطاقة النظيفة لا تكفي وحدها
تقول وكالة الطاقة الدولية إن مصادر الطاقة المتجددة ستلبي نحو نصف الطلب الإضافي على الكهرباء من مراكز البيانات خلال السنوات الخمس المقبلة. لكن ذلك لا يلغي دور الوقود الأحفوري. فالفحم والغاز الطبيعي معا سيغطيان أكثر من 40% من الطلب الإضافي حتى عام 2030.
حاليا، يُعد الفحم أكبر مصدر لكهرباء مراكز البيانات عالميا بحصة تقارب 30%، تليه مصادر الطاقة المتجددة بنحو 27%، ثم الغاز الطبيعي بـ26%، فالطاقة النووية بـ15%. وفي الولايات المتحدة، يشكل الغاز الطبيعي أكبر مصدر للكهرباء لمراكز البيانات بحصة تتجاوز 40%. أما في الصين، فيهيمن الفحم على إمدادات كهرباء هذه المراكز بحصة تقترب من 70%.
هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يواجه سؤال الكهرباء وحدها، بل سؤال نوع الكهرباء: هل ستأتي من مصادر نظيفة، أم من توسع جديد في الغاز والفحم؟ تقرير NRDC يحذر من أن الضغوط التي تظهر في الولايات المتحدة وأوروبا قد تنتشر عالميا مع توسع البنية الرقمية، وأن الدول تحتاج إلى ضوابط تمنع الارتهان للوقود الأحفوري، وتحمي المجتمعات، وتمنع ارتفاع الكلفة.
تكساس تكشف هشاشة الشبكات
المشكلة ليست في حجم الطلب فحسب، بل في طريقة تعامل الشبكات مع هذا الطلب. في تكساس، أفادت رويترز بأن عدة مراكز بيانات ومنشآت لتعدين العملات المشفرة فشلت في اختبارات موثوقية الشبكة قبل ذروة الطلب الصيفي.
وقالت هيئة تشغيل شبكة الكهرباء في تكساس ERCOT إن 4 مجموعات من كبار مستهلكي الكهرباء، بينها مراكز بيانات، انفصلت فجأة عن الشبكة خلال اختبار لكيفية تعاملها مع اضطرابات الجهد الروتينية.
وتكمن خطورة ذلك في أن كبار المستهلكين حين يقطعون استهلاكهم فجأة، يمكن أن يخلوا بتوازن الشبكة ويفجروا انقطاعات أوسع.
وراجعت ERCOT نحو 20 غيغاواط من كبار العملاء الساعين إلى الاتصال بالنظام، بينهم 8 مشاريع بإجمالي يقارب 3.9 غيغاواط تستهدف بدء التشغيل قبل 1 يوليو.
كما حددت 4 مجموعات يمكن أن يتسبب كل منها، في ظروف أعطال معينة، بانفصال طلب يتجاوز 5000 ميغاواط، وهو ما يعادل استهلاك مدينة كبيرة مثل بوسطن من الكهرباء.
ليست كربونا فقط
تحذر جامعة الأمم المتحدة من أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي تهيمن عليه غالبا "نظرة محصورة بالكربون فقط". فكل كيلوواط/ساعة يُستخدم لتدريب نظام ذكاء اصطناعي أو تشغيله يحمل أيضا بصمة مائية، ناتجة عن التبريد وتوليد الطاقة، وبصمة أرضية، ناتجة عن البنية التحتية وسلاسل الإمداد.
ولهذا يقول التقرير إن "منخفض الكربون" لا يعني تلقائيا "منخفض المياه" أو "منخفض الأراضي". فالتحول من الفحم إلى الطاقة الحيوية، على سبيل المثال، قد يخفض البصمة الكربونية للكهرباء بنسبة 70%، لكنه يزيد بصمتها المائية بأكثر من 30 ضعفا، وبصمتها الأرضية 100 ضعف. كما يمكن أن تولد بنية الذكاء الاصطناعي التحتية ما يصل إلى 2.5 مليون طن من النفايات الإلكترونية سنويا بحلول 2030، أي ما يعادل التخلص من نحو 250 برج إيفل كل عام.
وتشير الجامعة أيضا إلى أن الاستدلال، أي تشغيل النماذج المنشورة للإجابة عن طلبات المستخدمين، لا التدريب فقط، يمثل 80 إلى 90% من إجمالي استخدام الطاقة في الذكاء الاصطناعي.
وتقدر أن ChatGPT وحده يعالج نحو 2.5 مليار مطالبة يوميا، بما يترجم إلى نحو 383 غيغاواط/ساعة من الكهرباء سنويا لمنتج واحد.
هل توجد مخارج؟
لا تعرض التقارير صورة مغلقة بالكامل. فبحسب Knowable Magazine، يعمل العلماء والمهندسون على خوارزميات ونماذج أصغر ورقاقات وطرق حوسبة جديدة لخفض استهلاك الطاقة.
ويشير التقرير إلى نماذج متخصصة تستهلك أكثر من 90% طاقة أقل من نماذج أكبر عند استخدامها في مهامها المحددة، وإلى محاولات لتطوير رقاقات أكثر كفاءة، وحوسبة عصبية الشكل أو فوتونية، إضافة إلى تحسين مواقع مراكز البيانات.
لكن هذه الحلول لا تعفي الحكومات والشركات من سؤال التخطيط. فاختيار موقع مركز البيانات، ومصدر الكهرباء، وطريقة التبريد، ومن يتحمل كلفة تحديث الشبكة، كلها قرارات تحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيكبر ضمن حدود الطاقة والمياه، أم سيكبر على حسابها.
الذكاء الاصطناعي لن يتوقف بالضرورة بسبب الكهرباء. لكن تطوره لم يعد مسألة برمجيات ورقائق فقط. لقد أصبح رهانا على قدرة الشبكات، ومصادر الطاقة، والمياه، والسياسات العامة، على مجاراة آلة تتعلم بسرعة، لكنها تستهلك بسرعة أيضا.





