على مدى عقود، كانت أوروبا تنظر إلى شركات التكنولوجيا الأميركية باعتبارها شريكا طبيعيا لا غنى عنه. تمرّ معظم البيانات الأوروبية عبر خوادم أميركية، وأغلب المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى تعتمد على خدمات تقدّمها شركات مثل أمازون ومايكروسوفت وغوغل.
أما الآن، بدأ يتشكل اقتناع متزايد في بروكسل بأنّ هذا الاعتماد لم يعد مجرّد مسألة اقتصادية، بل تحوّل إلى نقطة ضعف استراتيجية قد تهدد الأمن والسيادة الأوروبية.
هذا التحول بلغ ذروته مع إعلان المفوضية الأوروبية عن "حزمة السيادة التكنولوجية"، وهي خطة ضخمة تستهدف تقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية عبر استثمارات تقدر بنحو 200 مليار يورو.
وفقا لصحيفة ليزيكو الفرنسية، تمثّل الخطة أكبر محاولة أوروبية حتى الآن لإعادة رسم موازين القوة الرقمية العالمية وبناء بنية تكنولوجية أوروبية مستقلة قادرة على منافسة عمالقة وادي السيليكون.
أوروبا منزعجة من حجم اعتمادها على أميركا
بحسب تقرير ليزيكو، انطلق المشروع الأوروبي من تشخيص وصفته المفوضية الأوروبية بأنه مقلق للغاية. فالاتحاد الأوروبي يعتمد على مزودين غير أوروبيين في أكثر من 80% من المنتجات والخدمات والبنية التحتية الرقمية التي يستخدمها. وتشمل هذه التبعية خدمات الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والبرمجيات الأساسية.
وقالت نائبة رئيس المفوضية الأوروبية هينا فيركونن إن أوروبا لا ينبغي أن تقبل مستقبلا "تعتمد فيه بنيتها التحتية الحيوية وبياناتها الحساسة وقدرتها الصناعية على مزودين مهيمنين من خارج أوروبا". وأضافت أن القارة بحاجة إلى تعزيز سيادتها التكنولوجية لحماية مصالحها الاستراتيجية.
وتشير الصحيفة إلى أنّ شركات أمازون ومايكروسوفت وغوغل تسيطر حاليا على أكثر من 70% من سوق الحوسبة السحابية الأوروبية، بينما ما زالت الشركات الأوروبية مثل "أو في إتش كلاود" و"ساب" و"ميسترال" بعيدة عن منافسة الهيمنة الأميركية على نطاق واسع.
كما لعبت التطورات السياسية دورا مهما في تغيير المزاج الأوروبي. فبحسب ليزيكو، أثارت العقوبات الأميركية التي طالت قضاة في المحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى تزايد المخاوف من تقلب السياسات الأميركية، نقاشا واسعا داخل أوروبا حول مخاطر الاعتماد المفرط على التكنولوجيا القادمة من الولايات المتحدة.
200 مليار يورو لبناء بديل أوروبي
تقوم الخطة الأوروبية الجديدة على ٤ محاور رئيسية: أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، وتخزين ومعالجة البيانات، والبرمجيات مفتوحة المصدر، إضافة إلى الطاقة اللازمة لتشغيل هذه المنظومة الرقمية الضخمة.
وتنصّ الخطة على مضاعفة قدرات أوروبا في مراكز البيانات ٣ مرات بحلول عام 2030، والوصول إلى تغطية كاملة للاحتياجات الأوروبية بحلول عام 2035. وتقدر تكلفة هذه العملية بنحو 200 مليار يورو، على أن يأتي الجزء الأكبر من التمويل من القطاع الخاص.
وتتضمن الخطة أيضا إنشاء نظام جديد لتصنيف السيادة الرقمية يتكون من ٤ مستويات. فكلما زادت حساسية البيانات، ارتفعت الشروط المفروضة على الجهات التي تتولى تخزينها ومعالجتها. وفي المستويات العليا، تشترط بروكسل أن تكون الشركات المالكة والمشغلة للبنية التحتية خاضعة لسيطرة أوروبية كاملة.
وتوضح ليزيكو أنّ الولايات المتحدة لن تستفيد من هذه المعاملة الخاصة ما دام قانون "كلاود آكت" الأميركي ساريا، وهو القانون الذي يمنح السلطات الأميركية صلاحيات للوصول إلى بيانات مخزنة لدى شركات أميركية حتى لو كانت هذه البيانات موجودة خارج الولايات المتحدة. لهذا السبب ترى عواصم أوروبية أن الاعتماد على الشركات الأميركية قد يشكل خطرا على سيادة البيانات الأوروبية.
هل تتحول السيادة الرقمية إلى مواجهة مع واشنطن؟
رغم أن بروكسل تتجنب تقديم المشروع باعتباره مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، فإن كثيرين يرون أن الخطة تستهدف عمليا تقليص نفوذ الشركات الأميركية داخل السوق الأوروبية.
فبحسب ليزيكو، ستلعب المفوضية الأوروبية دور المشتري المركزي لخدمات الحوسبة السحابية للمؤسسات الأوروبية، كما ستدخل معايير جديدة في العقود الحكومية الحساسة قد تجعل من الصعب على الشركات الأميركية الفوز ببعض المشاريع الاستراتيجية.
وفي مجال الذكاء الاصطناعي، تركز الخطة على ٣ مجالات رئيسية هي الروبوتات والتطبيقات الصناعية والنماذج اللغوية العملاقة التي تتنافس فيها حاليا منصات مثل تشات جي بي تي وجيميني. وتهدف بروكسل إلى إنشاء ما وصفته الصحيفة بأنه "سيرن أوروبي للذكاء الاصطناعي"، أي مشروع قاري ضخم يجمع أفضل الباحثين الأوروبيين وأقوى الحواسيب لتطوير نماذج منافسة للمنصات الأميركية.
مع ذلك، تحرص هينا فيركونن على التأكيد أنّ "السيادة التكنولوجية ليست اسما آخر للحمائية"، مشددة على أن الهدف ليس إغلاق السوق الأوروبية بل تقليل المخاطر الاستراتيجية الناتجة عن الاعتماد على طرف خارجي واحد.
لكن التقرير يلفت إلى أنّ تنفيذ الخطة لن يكون سهلا، إذ يتعيّن أن تمرّ عبر مفاوضات طويلة داخل البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي قد تستغرق أكثر من عام. كما أنّ نجاحها سيتوقف على استعداد الحكومات الأوروبية لتخصيص الموارد اللازمة ومواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية القادمة من واشنطن وشركات التكنولوجيا الكبرى.
وبينما لا تزال المعركة في بدايتها، يبدو أن أوروبا انتقلت من مرحلة الحديث عن الاستقلال الرقمي إلى مرحلة محاولة بنائه فعليا، في خطوة قد تعيد تشكيل العلاقة التكنولوجية بين ضفتي الأطلسي خلال السنوات المقبلة.





