بعد 88 يوما من الانقطاع شبه الكامل للإنترنت، بدأ الإيرانيون يستعيدون جزءا من اتصالهم بالعالم الخارجي، لكن العودة لم تُقابل باحتفالات واسعة بقدر ما كشفت حجم الإحباط والخسائر التي تراكمت خلال أشهر الحرب والاحتجاجات والعزلة الرقمية.
وبينما سمحت السلطات بإعادة تشغيل جزء من الشبكة، لا يزال الوصول إلى الإنترنت مقيدا ويعتمد على برامج تجاوز الحجب، في وقت يتحدث فيه مواطنون وخبراء عن اقتصاد منهك وشباب فقدوا مصادر رزقهم ومستقبلا يكتنفه الغموض.
من العزلة الرقمية إلى "ساحة السجن"
بحسب إل باييس، عاد بعض الإيرانيين إلى الشبكات الاجتماعية بعد نحو 3 أشهر من العزلة الرقمية، لكن كثيرا منهم وصفوا التجربة بعبارات تعكس استمرار القيود.
فبينما قال بعض المستخدمين إن الأمر يشبه "الخروج من السجن"، رأى آخرون أنه مجرد انتقال "من الحبس الانفرادي إلى ساحة داخل السجن نفسه".
وأفادت شبكة سي إن إن أن عددا من المستخدمين ما زالوا يعتمدون على شبكات "في بي إن" للوصول إلى الإنترنت، وأن خدمات مثل واتساب بقيت خاضعة لقيود واسعة حتى بعد إعادة الاتصال الجزئية.
كما نقلت عن مواطن من طهران قوله: "أنا متصل الآن، لكنني ما زلت بحاجة إلى في بي إن. لا تتحمسوا كثيرا، فالإنترنت ليس مفتوحا بالكامل".
كما نقلت الغارديان عن مينا، وهي شابة شاركت في الاحتجاجات واعتقلت في يناير، قولها إنها تخشى أن يكون توسيع الاتصال مقدمة لتشديد المراقبة وليس خطوة نحو الحرية. وأضافت: "لا يوجد سبب يدفعهم إلى فتح الإنترنت إلا إذا كانوا يريدون دفع الناس نحو إنترنت يمكن مراقبته بسهولة أكبر. هذا ليس دليلا على الحرية".
اقتصاد يدفع ثمن الانقطاع
تكشف الشهادات التي جمعتها وسائل الإعلام المختلفة أن الخسائر الاقتصادية كانت من أبرز نتائج الانقطاع الطويل.
في حديثه لصحيفة إل باييس، قال رضا، وهو سائق يعمل عبر تطبيق سناب في طهران، إن الأجواء السائدة في البلاد تتسم بـ"اليأس المطلق"، مضيفا: "الناس يحاولون فقط البقاء على قيد الحياة. لا أحد لديه أي تصور للمستقبل". كما أوضح أن أنظمة تحديد المواقع تعطلت خلال الحرب والانقطاع الرقمي، ما جعل عمله شبه مستحيل.
ونقلت الصحيفة عن وزير الاتصالات ستار هاشمي قوله إن كل يوم من انقطاع الإنترنت يكلف الاقتصاد الإيراني نحو 29 مليون دولار أميركي، بينما قدّر أفشين كولاهي، رئيس لجنة الشركات المعرفية في غرفة التجارة الإيرانية، حجم الخسائر المباشرة وغير المباشرة بنحو 80 مليون دولار أميركي يوميا.
وفي تقرير إن بي آر، قال الخبير في الأمن السيبراني أمير رشيدي إن الوقت لا يزال مبكرا للقول إن الانقطاع انتهى فعلا، مشيرا إلى استمرار الاضطرابات الواسعة في الخدمة. كما لفت التقرير إلى أن ملايين الإيرانيين الذين يعتمدون على الإنترنت في أعمالهم تعرضوا لخسائر كبيرة، وأن كثيرا من أصحاب الأعمال الرقمية فقدوا مصادر دخلهم بالكامل.
وأفاد مؤثر تقني من أصفهان بأن أشهر الانقطاع أفقدته جزءا كبيرا من جمهوره على يوتيوب وإنستغرام، مضيفا أن العديد من صناع المحتوى اضطروا إلى بيع معداتهم أو تغيير وظائفهم من أجل البقاء.
شباب غاضبون ومستقبل غامض
تشير الشهادات الواردة في التقارير إلى أن الجانب النفسي والاجتماعي للأزمة لا يقل خطورة عن آثارها الاقتصادية.
قالت سارة، وهي طالبة من أصفهان تحدثت إلى إل باييس، إن "الإنترنت المقيد" عاد جزئيا، لكن جيلها تعرض للدمار. وأضافت أن آلاف الأشخاص، خصوصا الشباب، فقدوا حياتهم خلال الأشهر الماضية، مؤكدة أنه "لا يوجد أي سبب للفرح".
كما نقلت الصحيفة عن وحيد، وهو مدرس لغة إنكليزية من شيراز، قوله إنه فقد جميع طلابه ومصدر دخله بعد "الإطفاء الرقمي"، وإنه يخشى أن تكون إعادة الاتصال الحالية مؤقتة فقط.
ونقلت الغارديان عن مريم، وهي مصورة من طهران، استياءها من الاحتفاء بإعادة الاتصال الجزئية، قائلة إن الإنترنت "حق أساسي"، وإن الخدمة الحالية لا تزال غير كافية للعمل، لأن الإنترنت عبر الهاتف لا يعمل بصورة طبيعية وما زال الاعتماد على برامج تجاوز الحجب ضروريا.
وفي شهادة أخرى، قال أمين، وهو أستاذ جامعي من طهران، إن عودة الإنترنت جعلته يواجه دفعة واحدة مقاطع الجنازات وصور الضحايا والخسائر التي تراكمت خلال فترة الانقطاع. وأضاف: "خسرنا مصادر رزقنا وشبابنا وثقتنا بالمجتمع الدولي".
ورغم عودة جزء من الاتصال، تشير التقارير إلى أن كثيرا من الإيرانيين ما زالوا يشككون في استمراره، ويخشون أن تعود القيود في أي لحظة، بينما يواصلون استخدام الشبكات الاجتماعية لرواية ما حدث خلال أشهر الصمت الطويلة وإعادة بناء روابطهم مع العالم الخارجي.





