تُفتح في البنتاغون محادثات عسكرية بين لبنان وإسرائيل، لكن جنوب لبنان لا يدخلها من موقع الهدنة. فوقف إطلاق النار المعلن لم يمنع سقوط الأطفال، ولا أوقف الغارات، ولا ألغى أوامر الإخلاء التي جعلت مناطق واسعة شبه محظورة على سكانها.

وتفيد اليونيسف، بأنه سقط 77 طفلًا بين قتيل وجريح خلال أسبوع واحد، فيما أظهرت مراجعة لرويترز أن أوامر الإخلاء الإسرائيلية، إلى جانب المنطقة التي يحتلها الجيش الإسرائيلي، تغطي نحو خمس مساحة لبنان.

في المقابل، توصي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بزيادة الضربات والنشاط البري قبل أي ضغط أميركي محتمل، بينما يقول رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، إن لبنان يذهب إلى التفاوض "بلا أي ورقة".

فهل تكون محادثات البنتاغون طريقًا لوقف النار، أم محاولة لتنظيم واقع ميداني رُسم بالغارات والنزوح؟

وقف نار لا يحمي الأطفال

بحسب رويترز، قالت اليونيسف إن 11 طفلًا سقطوا بين قتيل وجريح كل 24 ساعة في لبنان خلال الأسبوع الماضي، في ظل تصعيد إسرائيل غاراتها رغم وقف معلن لإطلاق النار. وبلغت الحصيلة 77 طفلًا بين قتيل وجريح خلال 7 أيام، فيما قُتل 55 طفلًا وأُصيب 212 آخرون منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في أبريل.

جنوب يُفرَّغ بالإنذارات والغارات

مراجعة رويترز أظهرت أن وقف إطلاق النار لم يحقق تخفيفًا فعليًا لمعاناة المدنيين، بل ترافق مع نزوح متواصل من مناطق تتسع تدريجيًا. وبعد إعلان الهدنة، حددت إسرائيل منطقة عازلة تبلغ نحو 600 كيلومتر مربع تضم 57 بلدة وقرية، ثم صدرت أوامر إخلاء لأكثر من 100 بلدة وقرية إضافية.

وبحسب رويترز، تغطي هذه الأوامر، إلى جانب المنطقة التي احتلها الجيش الإسرائيلي، نحو ألفي كيلومتر مربع، أي ما يقارب خمس مساحة لبنان. في البازورية، قال مختار البلدة إياد وطفى إن معظم السكان لجأوا إلى الشمال، فيما وصف مختار صريفا علي نزال وقف إطلاق النار بأنه "كذبة".

Image 1

النار تصل إلى الحجر والتاريخ

وفي موازاة الخطر على السكان، دخل التراث اللبناني دائرة الاستهداف. فقد قال وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة لفرانس برس إن مواقع أثرية مهمة باتت في "خطر جدي"، بينها آثار صور المدرجة على قائمة التراث العالمي وقلعة الشقيف وموقع شمع.

وفي صور، أظهرت مشاهد فرانس برس كتلة نيران ضخمة بعد غارة استهدفت مبنى في حي الآثار. أما سلامة فقال إن فرق وزارته لا تستطيع الوصول إلى معظم المواقع بسبب المعارك، داعيًا اليونسكو إلى إرسال لجنة تحقيق عند حصول هدنة.

إسرائيل تريد توسيع الهجوم

في الجهة المقابلة، تنقل التقارير الإسرائيلية صورة مختلفة من داخل المؤسسة العسكرية. فبحسب القناة 12 الإسرائيلية، يوصي الجيش الإسرائيلي المستوى السياسي بزيادة ضربات سلاح الجو والنشاط البري في لبنان، عبر غارات خلف "الخط الأصفر"، خشية أن يضغط الأميركيون قريبًا على إسرائيل لوقف الضربات.

وتقول القناة إن الجيش الإسرائيلي يقدّر أن حزب الله قد يزيد نيرانه باتجاه الشمال ردًا على التصعيد. أما يديعوت أحرونوت، فنقلت عن قادة اللواء 401 داخل جنوب لبنان أن حزب الله يستخدم المسيّرات وحرب العصابات والدعاية، وأن الجيش الإسرائيلي يواصل التقدم رغم إصابة قائده ومقتل جنود.

Image 1

البنتاغون.. غرفة تفاوض أم اختبار للبنان؟

وسط هذا التصعيد، تبدأ في البنتاغون محادثات أمنية مباشرة بين وفدين عسكريين لبناني وإسرائيلي بوساطة أميركية. ووفق القناة 12، تريد واشنطن تعزيز سيطرة الجيش اللبناني في الجنوب وإنشاء آلية رقابة أكثر فاعلية، بينما تريد إسرائيل ربط أي انسحاب أو خفض للنشاط العسكري بخطوات فعلية من الجيش اللبناني ضد بنى حزب الله.

لكن نبيه بري يرفض مبدأ التفاوض المباشر، ويقول إن لبنان يذهب "بلا أي ورقة"، معتبرًا أن الأولوية هي وقف إطلاق نار حقيقي ومعالجة أزمة النازحين.

وقف نار لا يوقف النار، جنوب يتفرغ تدريجيًا، تراث مهدد، وإسرائيل تسابق الوقت عسكريًا قبل أن يتحول الضغط الأميركي إلى قيد. أما لبنان، فيدخل مسار البنتاغون وسط أزمة ثقة عميقة، وسؤال: هل تنجح المحادثات في تثبيت الدولة جنوبًا، أم تصبح مجرد محطة تفاوضية أخرى تحت القصف؟