لم تعد قضية الحشد الشعبي في العراق مجرد ملف أمني داخلي، بل تحولت إلى ساحة مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران حول مستقبل النفوذ في بغداد.
في وقت يعمل الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس على إعداد "ورقة تنفيذية" لإعادة هيكلة المنظومة المسلحة العراقية وحصر السلاح بيد الدولة، تتحرك إيران والحرس الثوري لمنع أي مسار قد يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل المرتبطة بها.
وبينما تصف واشنطن هذه الجماعات بأنها العقبة الرئيسية أمام استعادة الدولة العراقية لقرارها الأمني، ترى طهران أن الحشد الشعبي يمثل خط الدفاع الأهم عن مصالحها الإقليمية.
وتكشف التحركات الأخيرة في بغداد عن صراع يتجاوز مسألة دمج الفصائل أو تسليم السلاح، ليصل إلى إعادة رسم شكل السلطة والنفوذ داخل العراق نفسه.
بترايوس يعود إلى بغداد.. لكن بمهمة مختلفة
بحسب مصادر عراقية تحدثت لصحيفة الشرق الأوسط، أمضى ديفيد بترايوس 5 أيام في بغداد عقد خلالها سلسلة اجتماعات مع كبار المسؤولين العراقيين، بينهم رئيس الوزراء علي الزيدي، ورئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، إضافة إلى قادة أمنيين وعسكريين.
كما ذكرت وكالة الأنباء العراقية أن زيدان استقبل بترايوس وشكره على "جهوده في مكافحة الإرهاب وتشجيع المصالحة الوطنية" خلال فترة وجوده السابقة في العراق.
لكن زيارة بترايوس هذه المرة لم تكن مرتبطة بالحرب على داعش، بل بمستقبل الحشد الشعبي. ووفق شخصيات حكومية وسياسية عراقية، يعمل الجنرال الأميركي السابق على إعداد خطة تنفيذية سترفع لاحقا إلى البيت الأبيض عبر المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك. وتركز الخطة على تفكيك الصيغة الحالية للحشد، وعزل بعض القيادات، وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى جهات أمنية عراقية توصف بأنها "موثوقة".
وبعد مغادرته بغداد، كتب بترايوس على منصة لينكدإن أن المسؤولين العراقيين الذين التقاهم "اعترفوا بأهمية ضمان احتكار أجهزة الأمن العراقية لاستخدام القوة"، مضيفا أنه غادر العراق "متفائلا بما سمعه، رغم بقائه واقعيا بشأن طبيعة العلاقة مع إيران".
وتعتقد واشنطن أن حكومة علي الزيدي قد تكون أكثر استعدادا للابتعاد عن النفوذ الإيراني مقارنة بالحكومة السابقة، خصوصا بعد اتهامات أميركية لبغداد بالتساهل مع هجمات الفصائل خلال الحرب الأخيرة في المنطقة.
وقال دبلوماسيان غربيان إن الثقة الأميركية تراجعت بشدة في الأشهر الأخيرة بسبب ما اعتبرته واشنطن غطاء رسميا لهجمات نفذتها جماعات مسلحة مرتبطة بإيران.
الحرس الثوري يتحرك لمنع تفكيك الحشد
في المقابل، تعتبر إيران أن أي محاولة لإضعاف الحشد الشعبي تهديدا مباشرا لنفوذها داخل العراق.
وبحسب قيادي في فصيل مسلح تحدث للشرق الأوسط، فإن طهران طلبت أخيرا من الجماعات العراقية "مقاومة المسار الأميركي الذي يهدف إلى إنهاء أكبر قوة عسكرية تضمن مصالحها في المنطقة".
وأضاف أن جنرالات من الحرس الثوري يشرفون على فصائل عراقية "سيضعون العصي في الدواليب إذا ما تحركت بغداد نحو حل الحشد الشعبي".
وتشير تقديرات عراقية إلى أن الجماعات المسلحة تمتلك نفوذا سياسيا واسعا داخل البرلمان، إذ تشغل نحو 80 مقعدا، بينما يملك الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم أغلبية تقارب 180 مقعدا من أصل 329، ما يمنحه قدرة كبيرة على تعطيل أي تشريع يتعلق بمصير الحشد. ويقول مقربون من كتائب حزب الله إن الهيئة تعمل وفق قانون أقره البرلمان عام 2016، وبالتالي فإن حلها يتطلب تصويتا برلمانيا معقدا.
وفي الأسابيع الأخيرة، بدأ مقربون من الفصائل بالترويج عبر وسائل إعلام محلية لمقترحات بديلة، مثل إنشاء "وزارة الأمن الاتحادي" لتكون مظلة تشمل الحشد الشعبي وقوات أخرى مثل حرس الحدود والرد السريع. لكن مصادر عراقية وغربية أكدت أن واشنطن لم تُبد اهتماما بهذه المقترحات، واعتبرتها مجرد محاولة لإعادة تدوير نفوذ الفصائل داخل مؤسسات الدولة.
كما ظهرت تهديدات علنية ضد أي مسؤول يدعم مشروع تفكيك الحشد. في 18 مايو 2026، قال المسؤول الأمني في كتائب حزب الله أبو مجاهد العساف إن الفصيل "مستعد للرد على الولايات المتحدة في جميع المجالات، في حال استهداف قادة الحشد الشعبي".
وتكشف النقاشات الجارية في بغداد أن الحكومة العراقية تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد.
من جهة، تضغط واشنطن باتجاه فرض "السيادة الكاملة" على القرارين السياسي والأمني، وتعتبر الفصائل المسلحة مصدر تهديد إقليمي يمنع عودة العلاقات الطبيعية مع العراق. ومن جهة أخرى، تخشى بغداد من انفجار داخلي إذا تم التعامل مع الملف بطريقة صدامية. وقال مسؤول عراقي إن ملف الحشد الشعبي يشبه "خطرا يجب التعامل معه، لكن عند الاقتراب منه قد ينفجر في وجهك".





