تعيش إيران منذ أكثر من شهرين على وقع تساؤلات متزايدة بشأن مصير مرشدها الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علنا أو يلق خطابا منذ اختياره خلفا لوالده علي خامنئي عقب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وبينما تتصاعد الشائعات حول وضعه الصحي ودوره الحقيقي داخل النظام، بدأت السلطات الإيرانية في إطلاق سلسلة رسائل وتصريحات رسمية تؤكّد أنّه ما زال يدير الدولة ويتخذ القرارات الكبرى، خاصة المتعلقة بالحرب والمفاوضات مع واشنطن.
وبحسب صحيفة فايننشال تايمز، فإن الغياب الطويل للمرشد الجديد دفع مسؤولين إيرانيين إلى بناء "رواية رسمية" هدفها إظهار أن خامنئي "بخير ويسيطر بالكامل على الأمور"، في وقت تتزايد التكهنات حول نفوذ الحرس الثوري داخل النظام.
إيران تطمئن الداخل.. والمرشد لا يظهر
ذكرت فايننشال تايمز أنّ الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أعلن للمرة الأولى هذا الشهر أنّه التقى مجتبى خامنئي، كما كشفت السلطات عن اجتماع عقده المرشد مع قائد مقر "خاتم الأنبياء" المسؤول عن القيادة العسكرية المركزية.
وفي الوقت نفسه، بدأت طهران الكشف عن تفاصيل إصابات خامنئي خلال الهجوم الذي استهدف مجمع والده في 28 فبراير الماضي مع بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية، في محاولة لنفي تقارير تحدثت عن بتر ساقه وإصابته بجروح خطيرة في الوجه.
وقال مظاهر حسيني، رئيس المراسم في مكتب المرشد، إن خامنئي نجا من القصف لأنه كان خارج المبنى المستهدف بلحظات، مضيفا أن "الموجة الانفجارية أصابته وألقته أرضا"، ما تسبب بإصابات طفيفة في الركبة والظهر. وأضاف: "عليكم أن تتحلوا بالصبر.. سيخرج ويلقي خطابات عندما يحين الوقت".
وتعتبر الصحيفة أن هذه التصريحات تهدف إلى توجيه رسالة للداخل والخارج بأن خامنئي ما زال "الرجل الذي سيقرر" ما إذا كانت إيران ستقبل اتفاقا مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب وملف مضيق هرمز والبرنامج النووي.
الحرس الثوري في الواجهة
بحسب التقرير، فإنّ غياب خامنئي الطويل فتح الباب أمام تكهنات متزايدة بأنّ الحرس الثوري الإيراني هو من يدير البلاد فعليا، خاصة مع تصاعد نفوذ القيادات العسكرية بعد الحرب.
وقال ولي نصر، المسؤول الأميركي السابق وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، إن السلطات الإيرانية تحاول إظهار أن "المرشد ما زال قمة النظام" وأنّه "حي ويدير الأمور"، مضيفا أنّ الحرس الثوري يريد أيضا إيصال رسالة بأنّه "لا يدير المشهد وحده وأن خامنئي ليس مجرد واجهة".
لكن الخبير في الشؤون الإيرانية علي واعظ من مجموعة الأزمات الدولية قدم صورة مختلفة، إذ اعتبر أن خامنئي بات أقرب إلى "ختم مطاطي"، بينما تتولى مجموعة صغيرة من قادة الحرس الثوري إدارة الملفات الحساسة، بينهم أحمد وحيدي ومحمد باقر قاليباف ومحمد باقر ذوالقدر.
وأضاف واعظ: "خامنئي لا يتخذ القرارات وحده.. المجموعة الصغيرة من قادة الحرس الذين عملوا معا لسنوات هي من تدير الأمور".
قيادة سرية وخوف من الاغتيال
أشارت فايننشال تايمز إلى أنّ الإجراءات الأمنية المشددة المفروضة على المرشد الجديد تُعقّد التواصل بينه وبين الحكومة والجيش، في ظلّ مخاوف إيرانية من محاولة إسرائيل اغتياله. ووفقا لدبلوماسيين تحدّثوا للصحيفة، يتم نقل الرسائل يدويا لتجنّب تعقّب أجهزة الاتصال الإلكترونية.
وجاء في التقرير أنّ خامنئي أنشأ هيكل قيادة يعتمد على لجنتين تديران ملفات التفاوض والوساطة خلال الحرب، وتضمّ مسؤولين عسكريين وسياسيين وشخصيات حكومية سابقة.
وقال المحلل الإيراني، سعيد ليلاز، إنّ الحرب دفعت النظام إلى منح القادة العسكريين هامشا أكبر للتحرك، خاصة بعد مقتل عدد من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين. لكنّه أشار إلى أنّ خامنئي سيحتاج وقتا حتى يكتسب "القدرة نفسها التي امتلكها والده في السيطرة على جميع مراكز القوة داخل الدولة".
من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران، فؤاد إيزدي، إن الغموض الحالي سيستمر طالما بقي خطر الحرب والاغتيالات قائما، مضيفا: "الأشخاص الذين يتخذون هذه القرارات يريدون التأكد من أن البلاد لن تضطر لاختيار قائد جديد كل بضعة أسابيع أو أشهر".





