تحولت الأزمة النووية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة من ملف قابل للاحتواء إلى مواجهة مفتوحة دفعت إيران إلى الاقتراب أكثر من أي وقت مضى من العتبة النووية، وسط تبادل الاتهامات بين الإدارات الأميركية المتعاقبة وطهران بشأن المسؤولية عن هذا التصعيد.

يشير تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال إلى أنّ سلسلة من الأخطاء السياسية والاستراتيجية من جميع الأطراف ساهمت في إيصال البرنامج النووي الإيراني إلى مرحلته الحالية.

وبحسب الصحيفة، فإن انسحاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي عام 2018، وفشل إدارة جو بايدن في إحياء الاتفاق لاحقا، إضافة إلى رفض إيران تقديم تنازلات خلال المفاوضات، كلها عوامل ساعدت طهران على توسيع برنامجها النووي ورفع مستويات تخصيب اليورانيوم إلى مستويات غير مسبوقة.

خطأ ترامب.. الانسحاب الذي فتح الباب

اعتبرت وول ستريت جورنال أن أول نقطة تحول كبرى جاءت عندما قرر ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الموقع عام 2015، رغم أن الاتفاق كان يفرض قيودا صارمة على مخزون إيران من اليورانيوم ومستوى التخصيب لمدة 15 عاما.

وبعد الانسحاب الأميركي وإعادة فرض العقوبات ضمن سياسة "الضغط الأقصى"، بدأت إيران تدريجيا في تجاوز القيود المفروضة عليها، فرفعت مستوى التخصيب وشغلت أجهزة طرد مركزي متطورة وأعادت تشغيل منشأة فوردو تحت الأرض.

وقال ريتشارد نيفيو، أحد المشاركين في التفاوض على اتفاق 2015، إن البرنامج النووي الإيراني "ما كان ليتقدم بهذا الشكل لو لم ينسحب ترامب من الاتفاق"، مضيفا أنّ إدارة ترامب "لم تمتلك بديلا واقعيا لاحتواء البرنامج النووي إذا رفضت إيران التفاوض".

كما نقلت الصحيفة عن غاري سامور، الخبير السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي خلال إدارة باراك أوباما، قوله إن "الخطأ الأول كان انسحاب ترامب من الاتفاق بينما كان يعمل بالفعل".

فشل بايدن.. مفاوضات بلا نتائج

رغم تعهد الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، بإحياء الاتفاق النووي والتوصل إلى اتفاق "أطول وأقوى"، فإن إدارته فشلت في تحقيق ذلك، بحسب الصحيفة.

وأشارت وول ستريت جورنال إلى أنّ المفاوضات التي بدأت عام 2021 انهارت بالكامل بحلول سبتمبر 2022، في وقت كانت إيران تواصل تسريع برنامجها النووي. وبعد أيام فقط من انطلاق المحادثات، رفعت طهران مستوى التخصيب إلى 60% للمرة الأولى، وهو مستوى قريب من الدرجة اللازمة لصناعة السلاح النووي.

وقال غاري سامور إن "الخطأ الثاني الكبير كان رفض إيران عرض إدارة بايدن لإحياء الاتفاق"، مضيفا أن بايدن أيضا "كان يمكنه التحرك بشكل أقوى وفي وقت مبكر".

كما أوضحت الصحيفة أنّ بايدن لم يتمكن من تقديم ضمانات للإيرانيين بأن أي رئيس أميركي مستقبلي لن ينسحب مجددا من الاتفاق، لأن الاتفاق الأصلي لم يكن معاهدة مصادق عليها من مجلس الشيوخ الأميركي، بل تفاهم تنفيذي يمكن لأي إدارة أن تلغيه لاحقا.

📱

Loading TikTok...

إيران تستغل الفراغ وتقترب من العتبة النووية

بحسب التقرير، فإنّ إيران استغلت الانقسام الأميركي والتردد الدبلوماسي لتوسيع برنامجها النووي بشكل غير مسبوق.

بحلول عام 2025، كانت تمتلك ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لصناعة نحو 11 سلاحا نوويا إذا قررت المضي في هذا الاتجاه.

وقالت الصحيفة إن إيران أصبحت الدولة الوحيدة غير المالكة للسلاح النووي التي تنتج يورانيوم مخصبا بنسبة 60% قبل الضربات الإسرائيلية والأميركية الأخيرة على منشآتها النووية. كما احتفظت بعشرات الأطنان من المواد المخصبة وآلاف أجهزة الطرد المركزي، رغم استهداف عدد من علمائها النوويين.

وفي المقابل، فشلت الضغوط الاقتصادية والعقوبات والضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في دفع طهران إلى التخلي عن مخزونها النووي أو وقف التخصيب بشكل كامل، بحسب الصحيفة.

وأضاف التقرير أن إدارة ترامب الحالية ما زالت تطالب بوقف كامل للتخصيب وتفكيك المنشآت النووية الرئيسية، وهي شروط رفضتها إيران سابقا، بينما يرى خبراء أن الوصول إلى اتفاق دائم قد يتطلب تنازلات متبادلة من الطرفين وليس مجرد ضغوط عسكرية أو اقتصادية.