في غضون أيام قليلة فقط، تحولت العاصمة الصينية إلى مركز لاجتماعات القوى الكبرى. فبينما كانت الأنظار تتجه إلى زيارة دونالد ترامب إلى بكين، كانت الصين تستعد في الكواليس لاستقبال ضيف أكثر حساسية، فلاديمير بوتين.
غير أن خلف الصور البروتوكولية والحديث عن "الشراكة بلا حدود"، كانت هناك قضية أكثر خطورة تجمع الروس والصينيين والأميركيين: مصير 440 كيلوغراما من اليورانيوم الإيراني المخصب، الذي تحول إلى ما يشبه "كنز الحرب" الجديد في الشرق الأوسط.
ويكشف تقرير لو تان السويسرية أن زيارة بوتين المفاجئة إلى بكين لم تكن مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل جزءا من سباق جيوسياسي يتداخل فيه أمن الطاقة، والحرب الإيرانية، ومكانة الصين العالمية، ومحاولات إعادة رسم النظام الدولي.
بكين.. العاصمة التي يقصدها الجميع
بحسب إل باييس، فإن استقبال الصين لترامب ثم بوتين خلال أيام قليلة عزز صورة الرئيس الصيني شي جينبينغ باعتباره "الرقم المحوري" في السياسة الدولية، ورسخ الانطباع بأن بكين أصبحت مركزا عالميا لاتخاذ القرار في مرحلة مضطربة دوليا.
أشارت الصحيفة الإسبانية إلى أن الصين استقبلت منذ نهاية 2025 عددا كبيرا من قادة مجموعة السبع، بينهم إيمانويل ماكرون، ومارك كارني، وكير ستارمر، وفريدريش ميرتس، ما يعكس تحول بكين إلى محطة إلزامية للقوى الكبرى.
أما بوتين، الذي يزور الصين للمرة الخامسة والعشرين، فيأتي هذه المرة وسط عزلة غربية متزايدة بسبب حرب أوكرانيا، لكنه يجد في الصين شريكا اقتصاديا وسياسيا لا غنى عنه.
ووفق إل باييس، فإن العلاقة بين شي وبوتين باتت توصف داخل الخطاب الصيني بأنها "نموذج لعلاقة بين قوتين عظميين".
440 كيلوغراما تشعل سباق القوى الكبرى
يتعلق الملف الأكثر حساسية خلال زيارة بوتين، وفق لو تان، بمخزون إيران من اليورانيوم المخصب الذي نجا من الضربات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة.
وتشير الصحيفة إلى أن واشنطن وموسكو وبكين تتنافس جميعها على التحكم في هذه الكمية البالغة 440 كيلوغراما، باعتبارها مفتاح أي اتفاق مستقبلي مع طهران وإعادة فتح مضيق هرمز.
ووفقا للتقرير، فإن الولايات المتحدة تطالب بالحصول على هذا المخزون، بل وهددت باستخدام القوة إذا رفضت طهران تسليمه، بينما ترفض إيران بشكل قاطع التخلي عنه.
في المقابل، طرحت موسكو مبادرة لنقل اليورانيوم الإيراني إلى روسيا من أجل تخزينه أو تحويله إلى وقود نووي مدني.
وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن مناقشات جرت بالفعل مع الروس بهذا الشأن، مشيدا بما وصفه "استعداد موسكو للمساهمة في حل الأزمة".
وتشير لو تان إلى أن روسيا تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع المواد النووية الخطرة، مستشهدة بعمليات سابقة قامت بها شركة روساتوم الروسية لنقل مواد كيميائية من سوريا، ومواد نووية من ليبيا وصربيا.
الطاقة والحرب.. تحالف الضرورة بين موسكو وبكين
أعاد الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز ملف الطاقة إلى قلب العلاقات الروسية الصينية. بحسب لو تان، فإن الصين تسعى بشكل عاجل لتأمين إمدادات الطاقة بعد اضطراب النفط الإيراني الذي كانت تعتمد عليه بشكل كبير.
وفي هذا السياق، عاد مشروع خط أنابيب "قوة سيبيريا 2" إلى الواجهة. وذكرت إل باييس أن موسكو تضغط لتسريع المشروع الذي يهدف إلى نقل الغاز الروسي إلى شمال شرق الصين عبر منغوليا، خاصة مع استمرار الحرب الإيرانية واضطراب أسواق الطاقة العالمية.
كما نقلت الصحيفة عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قوله إن روسيا والصين تمتلكان "القدرات اللازمة" لمواجهة "المغامرات العدوانية التي تهدد الاقتصاد العالمي وقطاع الطاقة".
وفي المقابل، تستفيد روسيا اقتصاديا من استمرار الحرب، إذ أشارت إل باييس إلى أن عائدات النفط والغاز الروسية ما تزال قوية، بينما تواصل الصين شراء كميات ضخمة من النفط الروسي، بقيمة تجاوزت 5.5 مليارات يورو خلال شهر أبريل وحده.
نظام عالمي جديد.. والصين في قلبه
تسعى الصين وروسيا إلى تكريس نظام عالمي متعدد الأقطاب يقلص الهيمنة الأميركية. وفق إل باييس، فإن البيانات المشتركة التي يصدرها بوتين وشي في لقاءاتهما غالبا ما تتحول إلى ما يشبه "خريطة سياسية" للنظام العالمي الذي يريدانه.
وفي واحدة من أكثر العبارات دلالة، نقلت الصحيفة عن أستاذ العلاقات الدولية الصيني لي هايدونغ قوله إن تحول بكين إلى محطة يقصدها في الوقت نفسه قادة أميركا وروسيا يمثل "لحظة ذات رمزية تاريخية كبيرة".
وتفيد لو تان أن ما يجري خلف أبواب بكين يتجاوز مجرد الدبلوماسية التقليدية، إذ تحولت العاصمة الصينية إلى غرفة عمليات عالمية تبحث فيها القوى الكبرى مستقبل الطاقة والحروب والملفات النووية.





