لم تعد المحكمة الجنائية الدولية تواجه فقط الانتقادات التقليدية المتعلقة ببطء العدالة أو ازدواجية المعايير، بل باتت تخوض معركة وجودية مفتوحة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
كشفت العقوبات الأميركية التي استهدفت قضاة ومدعين عامين وكيانات متعاونة مع المحكمة حجم الضغوط السياسية الواقعة على مؤسسة لا تملك جيشا ولا أجهزة تنفيذية، وتعتمد أساسا على شرعيتها ودعم الدول الأعضاء.
وبينما تصر المحكمة في لاهاي على مواصلة تحقيقاتها بحق مسؤولين من دول حليفة للغرب، ترى أصوات قانونية أن المواجهة الحالية تمثل اختبارا حقيقيا لقدرة النظام القضائي الدولي على الصمود أمام النفوذ الأميركي.
عقوبات ترامب تهز المحكمة الجنائية الدولية
بحسب تقرير لصحيفة إل باييس الإسبانية، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ٨ قضاة وثلاثة مدعين عامين تابعين للمحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى منظمات وجهات تتعاون معها.
يشير التقرير إلى أن الضغوط الأميركية وصلت إلى درجة أن بعض العاملين المرتبطين بالمحكمة لم يعودوا قادرين حتى على استخدام بطاقات الائتمان بسبب العقوبات.
وترى الصحيفة أن هذه الضغوط تمثل اختبارا مباشرا لصمود المحكمة التي تعتمد على شرعيتها الدولية أكثر من اعتمادها على أدوات تنفيذية، إذ لا تمتلك قوة شرطة خاصة بها.
قال المحامي الأميركي المتخصص في جرائم الحرب ريد برودي إن ترامب "يحاول تدمير المؤسسات الدولية"، مضيفا أن الولايات المتحدة استهدفت القضاة والمدافعين عن العدالة الدولية من دون أن تواجه حتى الآن "ردا موحدا" من الدول الأعضاء في المحكمة.
كما اعتبر برودي أن مذكرات التوقيف الصادرة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت تمثل تحولا تاريخيا، قائلا إن "هذه هي المرة الأولى التي توجه فيها محكمة دولية اتهاما إلى زعيم دولة حليفة للغرب".
المحكمة تواجه اتهامات بازدواجية المعايير
منذ تأسيسها عام 2002 بموجب نظام روما الأساسي، واجهت المحكمة الجنائية الدولية انتقادات متكررة بسبب تركيزها على القارة الأفريقية. وتشير إل باييس إلى أن أولى القضايا التي حسمتها المحكمة كانت بحق توماس لوبانغا من الكونغو، الذي أدين بتجنيد أطفال للقتال.
لكن التحول الأبرز جاء مع فتح تحقيقات بحق شخصيات من دول حليفة للغرب، وعلى رأسها نتنياهو وغالانت، إضافة إلى ملفات تتعلق بفلسطين وأفغانستان وأوكرانيا.
وتوضح الصحيفة أن الولايات المتحدة ترفض بشكل قاطع إمكانية محاكمة جنودها أو حلفائها، رغم أن المحكمة تملك صلاحية ملاحقة مواطني دول غير أعضاء إذا ارتكبت الجرائم داخل أراضي دولة عضو.
اعتبرت أستاذة القانون الدولي في جامعة لايدن الهولندية لاريسا فان دن هيريك أن الأزمة الحالية "تعكس أزمة أوسع في النظام القانوني الدولي"، مضيفة أن القانون الدولي "لا يمكن استخدامه أحيانا وتجاهله أحيانا أخرى بحسب المصالح السياسية".
كما حذرت من أن العقوبات الأميركية لا تستهدف المحكمة وحدها، بل تمتد أيضا إلى المنظمات الفلسطينية التي تتعاون معها، معتبرة أن ذلك "أمر غير مسبوق" ويؤثر مباشرة على الضحايا.
محكمة بلا شرطة.. لكنها تواصل مطاردة القادة
رغم الضغوط، تؤكد المحكمة الجنائية الدولية أنها مستمرة في عملها. تطالب المحكمة أيضا، إلى جانب ملفات نتنياهو وغالانت، بتوقيف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسبب ترحيل أطفال أوكرانيين، كما تستعد لمحاكمة الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي بتهم تتعلق بجرائم ضد الانسانية.
أوضحت الخبيرة في القانون الجنائي الدولي ليغيا كواكلبين أن المحكمة "ضعيفة لأنها لا تمتلك جهازا شرطيا وتعتمد على تعاون الدول"، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن مذكرات التوقيف لا تصبح بلا قيمة حتى لو لم تنفذ فورا.
وأضافت أن مذكرات التوقيف بحق بوتين أو نتنياهو "تحد من قدرتهم على السفر والتحرك السياسي والدبلوماسي"، مؤكدة أن هذا التأثير "ليس رمزيا فقط".
كما رأت كواكلبين أن محاكمة دوتيرتي قد تحدد مستقبل المحكمة خلال السنوات المقبلة، معتبرة أن المحكمة باتت "تعيد تعريف دورها داخل منظومة العدالة العالمية".
كما شددت فان دن هيريك على أن العالم يقف أمام خيار صعب بين "حماية الحلفاء" أو "ضمان المحاسبة"، بينما قال برودي إن الدول لا يمكنها دعم المحكمة فقط عندما تتوافق قراراتها مع مصالحها السياسية.





