في بغداد التي اعتادت منذ 2003 على أسماء سياسية خرجت من رحم الأحزاب والطوائف والسلاح، بدا اسم علي الزيدي وكأنه قادم من عالم آخر.

لا تاريخ حزبيا للرجل، ولا ماضيا حكوميا، ولا حضورا معروفا في مفاوضات القوى السياسية التقليدية. ومع ذلك، وجد نفسه فجأة مرشحا لرئاسة حكومة العراق في واحدة من أكثر اللحظات الإقليمية تعقيدا، وسط حرب أميركية إسرائيلية ضد إيران، وضغوط أميركية على بغداد، وصراع مفتوح على شكل السلطة المقبلة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وبحسب صحيفة وول ستريت جورنال، فإن رجل الأعمال والمصرفي العراقي علي الزيدي برز باعتباره "الخيار المدعوم من ترامب" لرئاسة الوزراء، بعد أشهر من التجاذبات السياسية داخل الإطار التنسيقي الشيعي، ورفض واشنطن عودة نوري المالكي إلى السلطة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

في هذا الشأن، يصف تقرير دويتشه فيله الزيدي بأنه "مرشح اللحظة الحرجة"، مشيرا إلى أن اختياره جاء في ظل انسحاب شخصيات سياسية بارزة وضغوط أميركية وإقليمية دفعت القوى العراقية إلى البحث عن شخصية "تسوية" أقل تصادمية.

من عالم البنوك إلى رئاسة الحكومة

ولد علي فالح كاظم الزيدي في محافظة ذي قار عام 1985، ولم يكن قد بلغ سن "الرشد السياسي" عندما سقط نظام صدام حسين عام 2003، بحسب تقرير الشرق الأوسط. لكن الرجل تحول خلال العقدين التاليين إلى واحد من أبرز رجال المال والأعمال في عراق ما بعد الغزو الأميركي.

ووفقا لتقرير دويتشه فيله، يملك الزيدي استثمارات واسعة في قطاعات البنوك والتجارة والإعلام، بينها مصرف الجنوب الإسلامي وشركات مرتبطة ببرنامج السلة الغذائية الحكومي الذي يخدم ملايين العراقيين. كما شغل مناصب في الوطنية القابضة وجامعة الشعب ومعهد عشتار الطبي.

وتقول صحيفة الشرق الأوسط إن نجاحه الاقتصادي كان لافتا إلى درجة أن الدولة العراقية أصبحت "مدينة له" بنحو ملياري دولار نتيجة تعاملات تجارية وعقود مختلفة. كما حصل على شهادات في القانون والمالية والمصارف، إلى جانب عضويته في نقابة المحامين.

لكن الحرب الإقليمية والتعقيدات الداخلية دفعت اسمه فجأة إلى الواجهة، إذ قال المحلل السياسي حمزة حداد لوكالة فرانس برس، إن الزيدي "لكونه مصرفيا ومالك قناة تلفزيونية، لديه الوسائل لمساعدته في التأثير على الناس والسياسيين". وأضاف أن ترشيحه يسمح للإطار التنسيقي بالقول إنه "يلتزم بالمهلة الدستورية" لتشكيل الحكومة.

واشنطن وطهران.. معركة النفوذ خلف الكواليس

لم يكن صعود الزيدي عراقيا خالصا، فبحسب وول ستريت جورنال، جرى تمرير اسمه على الولايات المتحدة وإيران قبل الإعلان الرسمي عن تكليفه، كما تلقى اتصالات هاتفية من الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

وتقول الصحيفة إن البيت الأبيض دعم ترشيح الزيدي مقابل مطالب واضحة، أبرزها استبعاد الفصائل المسلحة المدعومة من إيران من الحكومة المقبلة وتقليص نفوذ طهران داخل مؤسسات الدولة العراقية.

لكن هذا الدعم الأميركي ترافق مع مفارقة معقدة، إذ كشفت وول ستريت جورنال أن وزارة الخزانة الأميركية كانت قد منعت مصرف الجنوب الإسلامي، المملوك جزئيا للزيدي، من التعامل بالدولار عام 2024 بسبب شبهات تتعلق بعلاقاته مع شخصيات وفصائل مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

لكن رئيس مجلس إدارة المصرف مازن أحمد نفى هذه الاتهامات، وقال لوول ستريت جورنال إن المزاعم "كاذبة ومبنية على الشائعات والتكهنات". وأضاف أن المصرف أجرى مراجعات مستقلة بطلب من وزارة الخزانة الأميركية ولم تجد ما يثبت الاتهامات.

ومع ذلك، تؤكد الصحيفة الأميركية أن واشنطن ما زالت تطالب الحكومة العراقية المقبلة باتخاذ "إجراءات ملموسة" ضد الفصائل المسلحة، التي تتهمها الولايات المتحدة بتنفيذ أكثر من 600 هجوم ضد منشآت أميركية منذ اندلاع الحرب مع إيران.

إزاحة أم إعادة تشكيل للنظام؟

داخل العراق، لا ينظر كثيرون إلى صعود الزيدي باعتباره مجرد تغيير سياسي عادي، بل كتحول في بنية السلطة نفسها.

تقول صحيفة الشرق الأوسط إن ما جرى يمثل "إزاحة جيلية" أطاحت عمليا بجيل السياسيين الذين حكموا العراق منذ 2003.

وتشير الصحيفة إلى أن نوري المالكي، أحد أبرز وجوه "الجيل الأول"، وجد نفسه يشاهد رجلا لم يكن قد أكمل دراسته الثانوية عند سقوط النظام السابق، وهو يتقدم اليوم لتشكيل الحكومة التاسعة بعد 2003.

وبحسب دويتشه فيله، فإن انسحاب المالكي من السباق جاء بعد "معارضة أميركية حازمة" لترشيحه، بينما نقلت نيويورك تايمز أن ترامب هدد بسحب الدعم الأميركي للعراق إذا عاد المالكي إلى السلطة.

كما انسحب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني من السباق، بعد تعليق واشنطن التعاون الأمني وتحويلات الدولار إلى العراق بسبب هجمات الفصائل المسلحة، وفق ما نقلته دويتشه فيله.

وترى صحيفة الشرق الأوسط أن وصول الزيدي لا يعكس فقط انتقالا من "جيل الآباء" إلى "جيل الأبناء"، بل يؤكد أيضا أن واشنطن ما تزال اللاعب الأكثر تأثيرا في تحديد من يحكم العراق.

وتقول الصحيفة إن الولايات المتحدة التي جاءت بالجيل الأول بعد 2003 "ها هي نفسها تأتي بجيل جديد، ولكن هذه المرة من خارج دهاليز السياسة إلى قلب عالم المال والأعمال".

لكن الطريق أمام الزيدي لن يكون سهلا، فبحسب فرانس برس ووول ستريت جورنال، يواجه الرجل تحديات ضخمة، تبدأ من تشكيل حكومة خلال 30 يوما، ولا تنتهي عند ملف الفصائل المسلحة والعلاقة مع إيران والأزمة الاقتصادية واضطرابات النفط ومضيق هرمز.

وفي بلد تتقاطع فيه مصالح واشنطن وطهران بهذا الشكل المباشر، قد يجد رجل الأعمال القادم من عالم البنوك نفسه أمام أخطر اختبار سياسي في العراق منذ سنوات.