يكفي أن تتوقف سفينة واحدة في نقطة ضيقة من البحر حتى تبدأ سلاسل الإمداد العالمية بالارتباك. حدث ذلك عام 2021 عندما علقت سفينة "إيفر غيفن" في قناة السويس لستة أيام فقط، فتبخر ما يقارب 10 مليارات دولار من التجارة يوميا.

واليوم، مع التصعيد في مضيق هرمز، عاد العالم لاكتشاف حقيقة قديمة وخطرة: الاقتصاد العالمي لا يتحرك عبر المحيطات المفتوحة، بل عبر عدد محدود جدا من "الاختناقات البحرية" التي تشبه الصمامات الحساسة لشرايين العالم.

وبحسب تقرير لصحيفة ليزيكو الفرنسية، فإن التجارة العالمية تعتمد على 14 مضيقا ومعبرا بحريا استراتيجيا، تشكل "أقفال العالم الجغرافية". ويشمل ذلك هرمز، ملقا، باب المندب، السويس، البوسفور، جبل طارق، بنما، ماكاسار، لومبوك، لا سوندا، تايوان، والدردنيل، إضافة إلى ممرات أخرى أقل شهرة لكنها لا تقل حساسية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وتشير شبكة إيه بي سي نيوز الأسترالية إلى أن نحو 90 بالمئة من البضائع المتداولة عالميا تنتقل بحرا، وأن ثلاثة أرباع التجارة البحرية العالمية تمر عبر 13 نقطة اختناق رئيسية فقط.

هرمز.. الممر الذي قد يخنق الطاقة والغذاء معا

لا يوجد مضيق يحظى بقدر الاهتمام الذي يحظى به مضيق هرمز. فهذا الشريط البحري الضيق الفاصل بين إيران وسلطنة عمان لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 33 كيلومترا، بينما لا تزيد الممرات الفعلية المخصصة لعبور السفن العملاقة على بضعة كيلومترات فقط.

وبحسب مجلة المجلة، يمر عبر هرمز يوميا نحو 20 مليون برميل نفط، أي ما يقارب ربع تجارة النفط البحرية العالمية، إضافة إلى نحو 20 بالمئة من صادرات الغاز الطبيعي المسال في العالم، خصوصا من قطر نحو آسيا. كما تمر عبره شحنات ضخمة من البتروكيماويات والأسمدة، ما يجعل تأثيره يتجاوز الطاقة ليصل إلى أسعار الغذاء أيضا.

ويصف تقريرذا كونفرسيشن هرمز بأنه "أهم نقطة اختناق للطاقة في العالم"، مؤكدا أنه لا يوجد بديل عملي حقيقي لتصدير الطاقة خارج هذا المضيق.

ومع تصاعد الحرب الأخيرة، شهد المضيق واحدة من أخطر الأزمات البحرية منذ عقود. فقد تحدثت إيه بي سي نيوز عن قيام إيران بزرع ألغام بحرية وتهديد السفن وفرض رسوم عبور محتملة، ما دفع خبير القانون الدولي في الجامعة الوطنية الأسترالية دونالد روثويل للتحذير من أن ذلك "قد يفتح الباب أمام عصر جديد وخطير من التجارة البحرية، حيث لا يتم احترام الاتفاقيات الدولية".

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

كما نقلت صحيفة ليزيكو عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قوله خلال جلسة لمجلس الأمن: "أطلب من الأطراف المعنية فتح مضيق هرمز.. دعوا التجارة تستأنف، ودعوا الاقتصاد العالمي يتنفس".

ملقا.. الشريان الذي يغذي مصانع آسيا

إذا كان هرمز يتحكم بالطاقة، فإن مضيق ملقا يتحكم بالصناعة العالمية. فهذا المضيق الواقع بين ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة يعد أكثر الممرات البحرية ازدحاما في العالم.

وبحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، يمر عبر ملقا أكثر من 90 ألف سفينة سنويا، تنقل نحو 30 بالمئة من التجارة العالمية. كما يمر عبره 45 بالمئة من النفط المنقول بحرا في العالم، إضافة إلى 26 بالمئة من تجارة السيارات العالمية.

وتقول إيه بي سي نيوز إن ثلثي التجارة الصينية، بما فيها 80 بالمئة من واردات الطاقة، تمر عبر هذا المضيق، وهو ما تصفه بكين منذ سنوات بـ"معضلة ملقا".

قالت الخبيرة في سلاسل الإمداد بجامعة ملبورن، مهردخت بورنادر، لإيه بي سي نيوز: "إذا تعطل مضيق ملقا، فإن مصنع العالم سيتعطل أيضا". وأضافت: "بعض المضائق أكثر أهمية من غيرها، وملقا واحد منها".

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

لكن المخاطر في ملقا لا تتعلق فقط بالجغرافيا. فبحسب ترايد ويند نيوز، شهد المضيق أكثر من 130 حادثة قرصنة عام 2025، كما أن أي تصعيد بين الصين والولايات المتحدة أو الهند قد يحول هذا الممر إلى ساحة مواجهة استراتيجية.

السويس وباب المندب.. حين تهتز أوروبا وآسيا معا

تشكل قناة السويس وباب المندب معا حلقة الوصل الأساسية بين آسيا وأوروبا. ووفقا لإيه بي سي نيوز، تختصر السويس ما لا يقل عن عشرة أيام من الرحلات البحرية مقارنة بالالتفاف حول أفريقيا، فيما تمر عبرها 10 بالمئة من التجارة البحرية العالمية، و22 بالمئة من حركة الحاويات، و20 بالمئة من شحنات السيارات.

لكن نقطة الضعف الحقيقية ليست السويس نفسها، بل باب المندب الواقع جنوب البحر الأحمر. فبحسب ذا كونفرسيشن، أدت هجمات الحوثيين بين 2023 و2025 إلى إجبار عدد كبير من شركات الشحن على تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، ما تسبب في انخفاض عدد السفن العابرة للسويس من 26 ألف سفينة عام 2023 إلى نحو 13 ألفا فقط عام 2024.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وتقول صحيفة ليزيكو إن هذه الممرات لا تنقل البضائع فقط، بل تمر عبرها أيضا كابلات الاتصالات البحرية والقواعد العسكرية والتوازنات الجيوسياسية، ما يجعل أي اضطراب فيها يتجاوز التجارة ليصل إلى الأمن العالمي نفسه.

من بنما إلى البوسفور.. عالم بلا بدائل حقيقية

بعيدا عن الشرق الأوسط وآسيا، توجد نقاط اختناق أخرى لا تقل خطورة. تنقل قناة بنما، التي تربط المحيطين الأطلسي والهادئ، 40 بالمئة من تجارة الحاويات الأميركية، بقيمة سنوية تصل إلى 270 مليار دولار، بحسب ذا كونفرسيشن. لكن القناة واجهت خلال العامين الماضيين أزمة جفاف خفضت مستويات المياه وأجبرت السلطات على تقليص عدد السفن المسموح بعبورها.

أما البوسفور والدردنيل، اللذان يربطان البحر الأسود بالمتوسط، فقد تحولا خلال الحرب الأوكرانية إلى أوراق ضغط جيوسياسية حساسة. وتشير ليزيكو إلى أن تركيا منعت عام 2024 عبور سفينتين بريطانيتين مخصصتين لإزالة الألغام باتجاه أوكرانيا، بحجة "تجنب التصعيد".

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وفي تحليلها، ترى الصحيفة الفرنسية أن أهمية المضيق لا ترتبط بحجمه، بل بوظيفته. فبعض المضائق لا يتجاوز عرضه مئات الأمتار، لكنه قادر على تعطيل اقتصادات بأكملها. وتقول إن المضيق يمثل في الوقت نفسه "فصلا وربطا"، إذ يعزل البحار عن بعضها، لكنه أيضا يجبر العالم على الالتقاء داخله.