تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين للقاء الرئيس، شي جين بينغ، في محطة سياسية واقتصادية بالغة الأهمية، تحمل في طياتها ملفات ثقيلة تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى وتوازنات الأمن العالمي. هذه الزيارة تأتي في وقت تشهد العلاقات بين واشنطن وبكين توتراً متصاعداً على خلفية الرسوم الجمركية، والتنافس التكنولوجي، وملف تايوان، إضافة إلى الدور الصيني المتنامي في الشرق الأوسط، ولا سيما في ما يتعلق بإيران.
قمة الفرص الضائعة
قناة سي إن إن نقلت عن مصادر أميركية مطلعة أن البيت الأبيض ينظر إلى هذه القمة بوصفها فرصة لإعادة صوغ العلاقة مع الصين، على أسس أكثر استقرارا، بعد أعوام من التوتر التجاري والسياسي.
وتشير القناة إلى أن إدارة ترامب تسعى إلى التوصل إلى تفاهمات اقتصادية جديدة، خاصة في ما يتعلق بالضرائب المفروضة على بعض السلع الصينية، وفي مقدمتها المنتجات التكنولوجية والسيارات الكهربائية والبطاريات، وهي ضرائب ترى واشنطن أنها ضرورية لحماية صناعاتها المحلية، بينما تعتبرها بكين إجراءات غير عادلة.
المطالب الصينية
صحيفة غلوب الصينية أشارت إلى أن بكين تستعد لطرح مقترحات تهدف إلى تخفيف حدة المواجهة التجارية، من خلال فتح مجالات إضافية أمام الشركات الأميركية، وزيادة مشتريات السلع الزراعية، وتقديم تسهيلات في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا. وتضيف الصحيفة أن الصين ترى في هذه الزيارة فرصة لإعادة بناء الثقة مع واشنطن، شرط أن تتراجع الأخيرة عن بعض الرسوم التي أثرت في الصادرات الصينية.
قمة الصفقات
الوفد الأميركي المرافق لترامب سيضم عدداً من ممثلي الشركات الكبرى في مجالات التكنولوجيا والطاقة والطيران والصناعات الدفاعية، في مؤشر إلى رغبة واشنطن في تحويل القمة إلى فرصة لتوقيع اتفاقات تجارية جديدة، أو على الأقل فتح مسارات تفاوضية، قد تؤدي إلى شراكات اقتصادية واسعة. وتؤكد مصادر اقتصادية أميركية أن الشركات المشاركة تسعى إلى الحصول على فرص استثمارية داخل الصين، خاصة في مجالات الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد.
تايوان ملف شائك
أما الملف السياسي الأكثر حساسية فهو ملف تايوان، الذي يشكل نقطة خلاف جوهرية بين البلدين. فالصين تعتبر الجزيرة جزءاً من أراضيها وترفض أي دعم خارجي لها، بينما تواصل الولايات المتحدة تزويد تايبيه بالسلاح وتعزيز التعاون معها. وتشير مصادر أميركية إلى أن ترامب سيحاول تهدئة التوتر من دون تقديم تنازلات تمس التزام واشنطن بأمن تايوان، في حين تتوقع بكين أن تتعهد الولايات المتحدة بعدم دعم أي خطوات انفصالية.
التسوية مع إيران ليست مجانية
الملف الإيراني يبرز بوصفه أحد أهم محاور النقاش بين ترامب وشي، نظراً للدور الصيني المؤثر في طهران. وتؤكد صحيفة غلوب الصينية أن الصين تمتلك قدرة حقيقية على التأثير في القرار الإيراني، بحكم العلاقات الاقتصادية العميقة بين البلدين، لكنها لن تستخدم هذا النفوذ إلا إذا كان ذلك يخدم مصالحها الاستراتيجية.
وتضيف الصحيفة أن بكين قد تعرض التوسط بين واشنطن وطهران، شرط أن تحصل في المقابل على مكاسب اقتصادية وسياسية، أبرزها تخفيف العقوبات الأميركية على الشركات الصينية، وضمان عدم استهدافها في ملفات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
إسرائيل تخشى من تسوية على حساب مصالحها
إسرائيل تتابع هذه الزيارة بقلق واضح، إذ تخشى من أن تؤدي أي تفاهمات أميركية- صينية إلى تخفيف الضغط على إيران، سواء في ما يتعلق ببرنامجها النووي أو بصواريخها الباليستية أو بنشاط حلفائها في المنطقة.
وتشير وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن تل أبيب تخشى من أن تُستخدم إيران كورقة تفاوض بين واشنطن وبكين، بما قد ينعكس على أمنها ومصالحها الاستراتيجية. عوزي رابي كتب في جيروزاليم بوست أن إسرائيل تخشى من أن يؤدي أي اتفاق أميركي إيراني إلى تأخير البت في ملف التهديد النووي الإيراني بدلا من تفكيكه وهو ما يمنح النظام الوقت للحفاظ على السلطة والتعافي الاقتصادي والاحتفاظ بحزب الله اللبناني كقوة ردع استراتيجية.
شروط نجاح القمة
فرص نجاح زيارة ترامي إلى بكين مرتبطة بقدرة الطرفين الأميركي والصيني على تقديم تنازلات متبادلة. فالمسار الاقتصادي يبدو أكثر قابلية للتفاهم، بينما تبقى الملفات السياسية، وفي مقدمتها إيران وتايوان، أكثر تعقيداً وتحتاج إلى وقت أطول ومسارات تفاوضية متعددة.
ومع ذلك، تمثل القمة لحظة مفصلية قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات بين القوتين الأكبر في العالم، وتنعكس نتائجها على الأمن الدولي والاقتصاد العالمي.





