قالت صحيفة واشنطن بوست إن تصريحات دونالد ترامب بشأن الحرب في إيران لم تعد مجرد مواقف متغيرة، بل تحولت إلى نمط متكرر من التناقض، يطال أدق التفاصيل اللوجستية كما يمتد إلى القضايا الاستراتيجية الكبرى، ما أربك إدارته ودفع مساعديه إلى التدخل بشكل متواصل لتصحيح ما يصدر عنه.
ولم تعد هذه التناقضات تُفسر على أنها زلات إعلامية عابرة، بل باتت سمة ملازمة لإدارة الملف الإيراني، حيث يُظهر تتبع التصريحات أن الرواية الأميركية تتبدل أحيانا خلال ساعات قليلة، في مؤشر على خلل واضح في التنسيق داخل دوائر صنع القرار.
تناقض في أبسط التفاصيل.. ارتباك داخل الإدارة
أبرز مظاهر هذا التناقض ظهر في ملف المفاوضات نفسها، حيث أكد مسؤولون كبار في إدارة ترامب أن نائب الرئيس جي دي فانس سيقود الوفد الأميركي إلى إسلام آباد، قبل أن يخرج ترامب بنفسه لينفي ذلك في مقابلات إعلامية، ما دفع مسؤولي البيت الأبيض إلى التحرك لتصحيح تصريحاته.
وبحسب المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، فإن "هذه المحادثات الدبلوماسية تتطور بشكل مستمر في الوقت الحقيقي"، في محاولة لتبرير التغير في الروايات، مؤكدة أن فانس "يقوم بعمل رائع في قيادة الوفد الأميركي".
لكن التناقض لم يتوقف عند هذا الحد، إذ عاد ترامب ليؤكد في وقت لاحق أن فانس في طريقه إلى باكستان، قبل أن يظهر الأخير في البيت الأبيض، ما اضطر المسؤولين مرة أخرى إلى توضيح الحقيقة للصحفيين.
الاتفاق النووي.. روايات متضاربة بلا نتائج
على مستوى القضايا الكبرى، بدت التناقضات أكثر وضوحا، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. فقد أعلن ترامب أن "العديد من النقاط تم الاتفاق عليها بالفعل"، مؤكدا أن إيران وافقت على تسليم اليورانيوم المخصب للولايات المتحدة.
كما دعمت المتحدثة كارولين ليفيت هذا الطرح بقولها إن إيران "أبدت موافقتها"، لكن الواقع على الأرض كان مختلفا تماما، حيث انتهت جولة المفاوضات في إسلام آباد دون التوصل إلى أي اتفاق.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ عاد ترامب لاحقا لرفض مقترح قدمه نائبه بفرض تجميد لمدة 20 عاما على برنامج التخصيب، قائلا: "لا أحب فكرة العشرين عاما"، ما عكس غياب موقف ثابت داخل الإدارة.
مضيق هرمز والتهديدات.. بين التهدئة والتصعيد
امتدت التناقضات أيضا إلى الوضع الميداني، حيث أعلن ترامب أن مضيق هرمز مفتوح وأن إيران وافقت على عدم إغلاقه، قبل أن تعلن طهران عكس ذلك، مؤكدة نيتها الاستمرار في إغلاقه بسبب الحصار الأميركي.
وفي الوقت نفسه، جمع ترامب بين خطابين متناقضين، إذ قال إن الاتفاق "سيتم بسرعة" لأن معظم النقاط تم التوافق عليها، لكنه عاد وهدد بتدمير البنية التحتية الإيرانية بالكامل إذا لم تقبل طهران الشروط الأميركية، قائلا: "لن يكون هناك مزيد من اللطف".
كما ظهر التناقض في ملف أسعار الطاقة، حيث اختلف ترامب مع وزير الطاقة في توقعات أسعار الوقود، مؤكدا أنها ستنخفض سريعا، رغم تحذيرات خبراء من استمرار ارتفاعها بسبب اضطراب الإمدادات.
وتكشف هذه الوقائع أن التناقضات في تصريحات ترامب لم تعد حالات معزولة، بل أصبحت جزءا من طريقة إدارة الحرب، ما يضعف وضوح الموقف الأميركي ويعقد مسار المفاوضات، في وقت تحتاج فيه الأزمات الدولية إلى رسائل دقيقة ومتماسكة.





