حين بنى عمّال المناجم جداراً حجرياً داخل كهف في غرناطة جنوبي إسبانيا في القرن التاسع عشر، انتهت قطعة من الجلد المدبوغ بين حجارته.
هناك عثر عليها الباحثون بعد سنوات طويلة، لكن عمرها الحقيقي يعود إلى زمن أقدم بكثير.
فقد أظهر التأريخ بالكربون المشع أنها تعود إلى ما بين 7 آلاف و7250 عام، فيما كشف تحليل الحمض النووي عن صلة وراثية بين الحيوان الذي أُخذت منه وإحدى سلالات الماعز التي تُربّى في إسبانيا اليوم.
من كهف في الجنوب إلى سلالة في الشمال
في الدراسة التي نشرتها مجلة «PLOS One» في 4 نوفمبر، توصّل فريق دولي إلى أن القطعة تعود إلى أنثى ماعز مستأنسة عاشت في العصر الحجري الحديث.
ثم قارن الباحثون مادتها الوراثية ببيانات سلالات حديثة، فوجدوا أن أقربها إليها بين السلالات التي شملتها المقارنة هي «بيرميا»، وهي سلالة محلية تُربّى اليوم في أستورياس، على بُعد مئات الكيلومترات شمالي الكهف الذي حُفظت فيه القطعة.
ويمنح هذا التشابه الباحثين نقطة مرجعية للمقارنة بين الماعز الذي ربّاه سكان شبه الجزيرة الإيبيرية في بدايات العصر الحجري الحديث والقطعان الموجودة اليوم.
ومن خلال تحليل عينات من مواقع وفترات أخرى، يمكن تتبّع التغيّرات التي طرأت على تلك القطعان عبر الزمن بدقة أكبر، وفهم كيف تشكّل التنوع الوراثي لسلالات الماعز في إسبانيا.
ثقوب على الحواف تحمل قرائن عن استخدام الجلد
وإلى جانب ما كشفه التحليل عن الحيوان، تحمل القطعة آثاراً على طريقة تعامل البشر معها. فقد رصد الفريق علامات تدل على دباغة الجلد وتشكيله، إلى جانب ثقوب صُنعت عمداً على حوافه.
ويرجّح الباحثون أن هذه الثقوب ربما ساعدت على تثبيته كجزء من لباس. كما استخرجوا منه شظايا من الحمض النووي البشري، قد تكون بقيت عليه نتيجة لمسه أو ارتدائه. ويظلّ استخدامه الأصلي غير محسوم، إذ عُثر عليه داخل جدار أقامه عمّال المناجم بعد آلاف السنين من صنعه.
وما يجعل القطعة لافتة أيضاً هو أنها احتفظت بما يكفي من الحمض النووي لقراءة أجزاء من جينوم الحيوان، رغم أنها حُفظت في كهف بعيد عن البيئات الجليدية والمرتفعات التي تأتي منها كثير من العينات الجلدية القديمة المحفوظة.
وهكذا أتاحت قطعة صغيرة من الجلد للباحثين دراسة جانبين من الحياة في العصر الحجري الحديث، من طريقة تجهيز الجلود إلى هوية الحيوانات التي ربّاها الناس واستفادوا منها.





