عندما يشخص شخص بمرض ألزهايمر، كثيرا ما يتكرر السؤال نفسه: إذا كنت أمارس الرياضة، وأتناول طعاما صحيا، وأحافظ على نشاطي الاجتماعي، فلماذا أصبت بالخرف؟

هذا السؤال، الذي تسمعه طبيبة الأعصاب كريستين يافي باستمرار من مرضاها، يعكس اعتقادا شائعا بأن اتباع نمط حياة صحي يضمن الوقاية من المرض. لكن أحدث الدراسات العلمية تشير إلى صورة أكثر تعقيدا؛ فالعادات الصحية قد تقلل عوامل الخطر وتحسن وظائف الدماغ، لكنها لا تقدم ضمانا بعدم الإصابة بالخرف.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

أسلوب الحياة الصحي.. فوائد حقيقية لكن محدودة

ذكرت مجلة نيتشر أن الأدلة العلمية تربط بين النشاط البدني، والنظام الغذائي الصحي، والتواصل الاجتماعي، والتحفيز الذهني، وبين انخفاض خطر الإصابة بالخرف.

كما أشارت أبحاث أخرى إلى أن علاج ضعف السمع والبصر، وربما الحصول على لقاح الحزام الناري، قد يسهم أيضا في تقليل الخطر. لكن الباحثين يؤكدون أن قياس التأثير الحقيقي لكل عامل على حدة ما يزال معقدا.

وتنقل المجلة عن طبيبة الأعصاب كريستين يافي من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو قولها إنه حتى الأشخاص الذين يفعلون كل ما هو ممكن لتقليل خطر الإصابة "ليس هناك أي ضمان بأنهم سيتجنبون المرض". وتوضح أن عوامل مثل الوراثة والعمر ما تزال تلعب دورا لا يمكن تجاهله.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

تجارب ضخمة.. نتائج مشجعة ولكنها ليست حاسمة

تستعرض نيتشر نتائج دراستين تعدان من أكبر التجارب في هذا المجال، وهما FINGER في فنلندا وPOINTER في الولايات المتحدة، حيث خضع آلاف المشاركين لبرامج مكثفة شملت تحسين النظام الغذائي، والتمارين الرياضية، والتدريب الذهني، ومراقبة عوامل الخطر القلبية، إضافة إلى تعزيز النشاط الاجتماعي.

وأظهرت الدراستان تحسنا محدودا في الأداء الإدراكي مقارنة بالمجموعات الأخرى، لكنهما لم تثبتا انخفاضا في عدد حالات الخرف.

وقالت الباحثة ميا كيفيبيلتو، التي قادت دراسة FINGER، إن "جميع التأثيرات في مجال صحة الدماغ والخرف صغيرة"، مشيرة إلى أن حتى أحدث أدوية ألزهايمر تحقق تأثيرات متواضعة على الوظائف الإدراكية.

في المقابل، وصف الباحث الهولندي إيدو ريتشارد هذه النتائج بأنها "صغيرة جدا"، بينما اعتبر الباحث حسين ياسين أن الفارق بين المجموعات كان "ضئيلا للغاية".

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

45 بالمئة من الحالات يمكن تجنبها.. لكن ليس بهذه البساطة

تشير نيتشر إلى أن لجنة لانسيت حددت في تقريرها الأخير 14 عامل خطر يمكن تعديلها، مثل ارتفاع ضغط الدم، وقلة النشاط البدني، والتدخين، والسكري، والعزلة الاجتماعية، وضعف السمع، وتلوث الهواء، وارتفاع الكوليسترول، والإفراط في تناول الكحول.

وقدرت اللجنة أن نحو 45 بالمئة من حالات الخرف عالميا يمكن، من الناحية النظرية، الوقاية منها إذا أمكن معالجة هذه العوامل جميعها.

لكن المجلة تؤكد أن هذه النسبة تعكس تقديرات على مستوى السكان، ولا تعني أن أي شخص يستطيع خفض خطر إصابته بالنسبة نفسها. كما أن كثيرا من عوامل الخطر تتراكم على مدى عقود، وقد لا يكون تغيير نمط الحياة في منتصف العمر كافيا لإزالة آثارها.

ويحذر الباحث إيدو ريتشارد من التركيز المفرط على مسؤولية الفرد، قائلا: "هذه قضية مجتمعية، وأعتقد أن التركيز انصب أكثر مما ينبغي على أسلوب حياة الفرد"، في إشارة إلى دور عوامل مثل التعليم، وتلوث الهواء، وإمكانية الوصول إلى الغذاء الصحي، وهي عوامل لا يملك الأفراد السيطرة عليها بالكامل.

وهكذا، يبدو أن الرسالة التي تخرج بها أحدث الدراسات ليست أن أسلوب الحياة الصحي غير مفيد، بل أنه جزء من منظومة أوسع للوقاية. فهو قد يساعد على تحسين صحة الدماغ وتأخير التراجع الإدراكي، لكنه لا يمثل ضمانا ضد الخرف، الذي يبقى مرضا تتداخل في نشأته عوامل بيولوجية ووراثية وبيئية ومجتمعية.