في البداية، لم يكن أحد على متن السفينة يتوقع أن الرحلة الهادئة ستتحول إلى قصة وباء غامض، فقد كانت MV Hondius، سفينة رحلات استكشافية هولندية، تبحر من مدينة أوشوايا في أقصى جنوب الأرجنتين، في مسار طويل عبر الأطلسي نحو جزر الكناري، بعد جولة قرب القارة القطبية الجنوبية، وهي رحلة اعتاد ركابها أن تكون مغامرة طبيعية لا أكثر، بحسب ناشيونال جيوغرافيك.
لكن داخل هذه الرحلة، بدأ كل شيء يتغير بهدوء، رجل هولندي شعر بتعب خفيف، ثم سقط فجأة، وبعد أيام بدأت العدوى تنتشر بصمت داخل ممرات السفينة، بين غرف النوم والمطعم المشترك، قبل أن تتحول MV Hondius إلى مختبر عائم يرعب الركاب والعالم.
لغز 8 مرضى على متن السفينة
تقول صحيفة إلباييس إن عدد الحالات المرتبطة بالتفشي على متن السفينة بلغ ٨، بينها ٣ حالات مؤكدة و٥ حالات مشتبه بها، ما يعكس صعوبة تتبع المرض في مراحله الأولى.
بدأت القصة برجل هولندي يبلغ 70 عاما توفي على متن السفينة في 11 أبريل، لتلحق به زوجته بعد أيّام قليلة في جنوب أفريقيا بعد ظهور الأعراض عليها خلال رحلة العودة، كما تم تسجيل حالة ثالثة مؤكدة لمواطن سويسري عاد إلى بلاده وتلقى العلاج في زيورخ.
ومن بين الحالات أيضا مريض بريطاني نُقل إلى العناية المركزة في جوهانسبرغ ولا يزال وضعه حرجا، إضافة إلى حالات أخرى ظهرت عليها أعراض الحمى والتهاب الرئة من دون تأكيد نهائي.
هذه الحالات الـ٨، كما تصفها إلباييس، لم تكن مجرد أرقام، بل خيوط متشابكة لقصة انتشار معقدة بدأت على اليابسة وربما تفجرت داخل السفينة نفسها.
كيف انتشر الفيروس.. من فأر مجهول إلى فرضية "الزوجين الهولنديين"
في البداية، اعتقد الجميع أنّ الفيروس جاء من قوارض على متن السفينة، وهو السيناريو الأكثر شيوعا، إذ تشير ناشيونال جيوغرافيك إلى أنّ فيروس هانتا ينتقل عادة عبر استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو فضلات القوارض.
لكن روايات الركاب، كما نقلت إلباييس في تقرير حديث، بدأت تقلب هذه الفرضية، حيث قال أحدهم "يقال هنا إن الزوجين الهولنديين قد يكونان المصدر"، في إشارة إلى أول حالة ظهرت على متن السفينة.
وتضيف الصحيفة أن الزوجين كانا قد أمضيا أشهرا في جولة عبر أميركا الجنوبية باستخدام شاحنة متنقلة، قبل أن يقررا تركها في مونتيفيديو والتوجه جوا إلى أوشوايا للصعود إلى السفينة، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال تعرضهما للعدوى خلال تلك الرحلة البرية، خاصة أن الفئران ذات الذيل الطويل، التي تنقل فيروس هانتا، تنتشر في دول المخروط الجنوبي.
ويدعم التحليل الزمني هذه الفكرة، فالرجل الهولندي ظهرت عليه الأعراض بعد أيام قليلة من الإبحار، ما يشير إلى أنه كان مصابا قبل الصعود، خاصة أن فترة حضانة الفيروس قد تمتد من أسبوع إلى ٦ أسابيع.
وتشير إلباييس أيضا إلى أن هذه الفئران لم تُسجل في منطقة تييرا ديل فويغو التي انطلقت منها السفينة، ما يعزز فرضية أن العدوى لم تبدأ على متنها، بل جاءت من خارجها.
وتزداد الصورة تعقيدا مع تأكيد منظمة الصحة العالمية أن الفيروس هو من سلالة "أنديز"، وهي السلالة الوحيدة تقريبا القادرة على الانتقال بين البشر، وإن كان ذلك يتطلب تماسا وثيقا مثل مشاركة الغرف أو الطعام، كما توضح ناشيونال جيوغرافيك.
وهنا تتحول السفينة إلى بيئة مثالية للانتشار: غرف مغلقة، تفاعل اجتماعي مستمر، وأشخاص يشاركون المساحات نفسها من دون إدراك للخطر.

ما الذي سيحدث عند الوصول.. عملية صحية معقدة في تينيريفي
مع اقتراب السفينة من جزر الكناري، تتحول الأزمة من لغز طبي إلى اختبار لوجستي، حيث تستعد السلطات الإسبانية، بحسب إلباييس، لتنفيذ عملية دقيقة تشمل فحوصات صحية لكل الركاب فور وصولهم.
يتضمن السيناريو المتوقع قياس الأعراض عند الميناء، ثم توزيع الركاب بين العزل والحجر الصحي، بينما سيتم نقل بعضهم إلى مدريد لمتابعة الحجر أو العلاج.
كما تشمل الخطة عمليات إعادة إلى بلدانهم، مع متابعة صحية صارمة، خاصة أن بعض الركاب غادروا بالفعل في وقت سابق إلى دول مختلفة، ما يرفع خطر انتشار العدوى دوليا.
هذه المرحلة، كما تصفها الصحيفة، هي الأكثر حساسية، لأنها تحدد ما إذا كان التفشي سيظل محصورا أم يتحول إلى أزمة عابرة للحدود.

الأرجنتين في سباق مع الزمن.. البحث عن الأصل والعلاج
في الوقت نفسه، تتحرك الأرجنتين بسرعة لمحاولة فهم أصل العدوى، خاصة أن الرحلة انطلقت من أراضيها، وهي من أكثر الدول تسجيلا لحالات هانتا في المنطقة، بحسب الغارديان.
بدأت السلطات هناك عملية تتبع واسعة لمعرفة تحركات الركاب قبل الصعود، مع تحليل العينات الجينية للفيروس، في محاولة لتحديد مصدره بدقة.
وتشير البيانات إلى أن فيروس "أنديز" المنتشر في أميركا الجنوبية قد يكون وراء الحالات، وهو من أخطر الأنواع إذ يمكن أن يؤدي إلى متلازمة رئوية قاتلة بنسبة تصل إلى نحو الثلث في بعض الحالات.
وفي سباق مع الوقت، أرسلت الأرجنتين معدات اختبار وعينات فيروسية إلى دول عدة بينها إسبانيا وبريطانيا وهولندا، لمساعدتها على الكشف المبكر.
لكن التحدي الأكبر لا يزال قائما: لا يوجد علاج محدد لفيروس هانتا، كما يؤكد مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، ويعتمد الأطباء فقط على الرعاية الداعمة مثل الأكسجين والعناية المركزة.





