يخوض منتخب فرنسا نهائيات كأس العالم بحثا عن الوصول إلى المباراة النهائية والفوز باللقب الثالث في تاريخ الديوك التي بدأت تتويجها عام 1998 ثم حصدت البطولة الثانية عام 2018.

ويعتمد منتخب فرنسا المشارك في المونديال على قائمة من اللاعبين، ربعهم انحدروا من ضواحي باريس، حيث يلعب الأطفال كرة القدم في الشوارع ومن دون إمكانيات حقيقية، لمطاردة شغفهم وأحلامهم الكبيرة.

اكتشاف المواهب

وفي ظل انتشار المواهب في ضواحي باريس من الفرنسيين وأبناء المهاجرين الذين حصلوا على الجنسية، تبرز مهمة كشاف المواهب، وهو ما يحدث في نادي إي إس نانتير الذي يضم ناشئين ومواهب رغم إمكانياته الضعيفة.

ويتدرب فريق تحت 17 عاما في النادي في ملعب مظلم بباريس نظرا لتعطل كشافات الإضاءة، وسط متابعة مدربهم جايل ديارا، الذي يقوم بمهمة اختيار المواهب التي ستنضم للفريق في الموسم المقبل.

ويقول ديارا للناشئين، بحضور فهد رخاوي، أحد الكشافين "إذا كنتم ترون أنكم قدمتم أفضل ما لديكم الليلة، فلا داعي للعودة يوم الجمعة، أما إن اعتقدتم أن لديكم المزيد لتقدموه، فعليكم العودة".

ورغم عدم امتلاك نانتير لأكاديمية احترافية، فإنه ينافس في أعلى مستويات فئة الشباب في فرنسا، ضمن بطولة تحت 17 عاما الوطنية، وبلغ هذا الموسم دور الثمانية قبل أن يخسر بصعوبة 1-2 أمام باريس سان جيرمان.

لكنه ضمن النتائج المثمرة لتطور كرة القدم في فرنسا، خاصة بعد الفوز بكأس العالم 1998، وصناعة منتخب قوي ينافس في كل النسخ المونديالية منذ ذلك الحين، إذ خسر النهائي مرتين في 2006 و2022.

باريس المصنع الرئيسي

وتعد باريس هي المصنع الرئيسي الذي يورد المواهب للمنتخب الفرنسي، خاصة في ضواحي العاصمة الفرنسية، إذ تنتشر أحياء الطبقة العاملة والكادحة وأبناء المهاجرين، وجميعهم يحلمون باحتراف كرة القدم في أعلى مستوياتها.

وتشير وكالة رويترز إلى أن 23% من لاعبي منتخب فرنسا في مونديال 2026 من مواليد باريس وضواحيها، وهو ما يقارب 3 أضعاف النسبة المسجلة في عام 1998.

ومن جانبه يقول مهاجم رد ستار، داميان دوران: "لا داعي للبحث بعيدا، معظم أفضل اللاعبين في فرنسا يأتون من هنا، يمكن تقريبا تشكيل منتخب وطني كامل من لاعبي منطقة إل دو فرانس".

ويعد نجم المنتخب الفرنسي كيليان مبابي ضمن الأمثلة الحقيقية على ذلك، إذ نشأ في ضاحية بوندي شمال شرقي باريس، إلى جانب زملائه ويليام ساليبا وراندال كولو مواني، كما تعد مناطق مثل سيفران وأولناي سو بوا ومونتفرميل وتراب وأرجنتوي محطات رئيسية في مسار المواهب نحو النخبة.

ومن بين 1248 لاعبا مشاركا في كأس العالم هذا العام، ولد 4.3% منهم في باريس، وهو رقم يفوق بكثير أي مدينة أخرى وفقا لشركة أوبتا للإحصاءات الرياضية، وفي عام 2011، اهتزت كرة القدم الفرنسية على وقع ما عُرف "بقضية الحصص" بعدما وجهت اتهامات لمسؤولين كبار في الاتحاد الفرنسي بمناقشة فرض قيود على اللاعبين مزدوجي الجنسية في الأكاديميات، وسط مخاوف من أن فرنسا تستثمر بكثافة في تطوير لاعبين قد يختارون لاحقا تمثيل منتخبات أفريقية.

لذا يؤكد مدرب نانتير جايل ديارا الأمر قائلا:"تستفيد فرنسا من ماضيها الاستعماري"، فيما يشير إيف جيرجو، المسؤول السابق في باريس إف.سي، إلى أن تأثير الهجرة قديم ومتجذر "كرة القدم الفرنسية بُنيت على موجات متعددة من المهاجرين، من الإيطاليين والبولنديين إلى القادمين من أفريقيا".

كرة الشارع هي الأساس

أما جيرجيو البالغ 52 عاما الذي يقيم في ضاحية بوبيني، فيؤكد "كل ما تحتاجه هو كرة، كرة القدم تبدأ من الشارع، اللعب في مساحات ضيقة يعلم الأطفال التفكير تحت الضغط وحل المشكلات، كما أن التنافس في هذه البيئات يعزز القوة الذهنية".

لكن جيرجيو يرى أن النظام الحالي يفرز عددا كبيرا من اللاعبين مقارنة بفرص الاحتراف المحدودة، مؤكدا "من المستحيل حسابيا أن ينجح الجميع".

وفي ظل انتشار الكشافين داخل باريس، تتزايد الفرص لكنها ترافقها ضغوط كبيرة. ويواجه المدربون تحديا في تحقيق التوازن بين الطموح والراحة النفسية للاعبين.

أما ديارا فلديه تحذير من دوافع المواهب واللاعبين، موضحا: "أصبح المال المحرك الأساسي لدى البعض، وأحيانا حتى لدى أولياء الأمور، بينما كان الأمر في السابق قائما على الشغف".