في صيف حارق تجاوزت فيه درجات الحرارة 40 درجة مئوية في باريس، قدّم ريك أوينز مجموعة من السترات والسراويل الرياضية المكيّفة بالتعاون مع أديداس، في مشهد جمع بين الموضة والتكنولوجيا بطريقة غير مسبوقة، بحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز.
لكن هذه السترات المزودة بمراوح مدمجة ليست وليدة اللحظة؛ فهي تعود إلى اختراع المهندس السابق في سوني، هيروشي إيتشيغايا، الذي ابتكرها في مطلع الألفية بعدما أثارت قلقه التداعيات البيئية لتركيب مكيفات الهواء في ناطحات السحاب في جنوب شرق آسيا، كما تذكر الصحيفة نفسها.
ومنذ ذلك الحين، قطعت الملابس المكيّفة شوطا طويلا، متنقلة من مواقع البناء في اليابان إلى منصات العرض في عواصم الموضة، ما يطرح تساؤلا حول ما إذا كانت هذه الظاهرة مجرد موضة عابرة أم ضرورة تفرضها موجات الحر المتصاعدة.
الجذور العملية.. من ورش البناء إلى شوارع طوكيو
في عام 2004، طرح إيتشيغايا اختراعه في السوق اليابانية عبر شركته كوتشوفوكو، وتعني حرفيا "الملابس المكيّفة"، بدءاً بأسلوب واحد فقط.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، زاد الطلب بشكل كبير. فخلال موجة حر شديدة في عام 2011، أفاد إيتشيغايا لشبكة أي بي سي نيوز أن المبيعات ارتفعت عشرة أضعاف، وفقا لما نقلته فايننشال تايمز.
وتعتمد فكرة عمل هذه الملابس على مبدأ بسيط مروحتان صغيرتان تنقلان الهواء حول الجسم، مما يساعد العرق على التبخر بشكل أسرع.
وكما يوضح داهوا شو، الأستاذ المشارك في تقنيات النسيج المتقدمة بجامعة هونغ كونغ للفنون التطبيقية، بحسب فايننشال تايمز: "التبخر هو الطريقة الطبيعية التي يتخلص بها الجسم من الحرارة، لذا فإن تدفق الهواء الإضافي يعزز نظام التبريد الطبيعي لدينا".
واليوم، أصبحت السترات المروحية مشهدا مألوفا في اليابان خلال أشهر الصيف، حيث يراها المارة على عمال البناء وسائقي التوصيل وسعاة البريد على حد سواء.
وتشير فايننشال تايمز إلى أن أسعارها تبدأ من حوالي 120 دولارا.
ويصف آشي أوغاوا كلارك، كاتب الأزياء المقيم في طوكيو، الانتشار الواسع لهذه السترات للصحيفة قائلا: "إنها في كل مكان... وهي فعالة بشكل مدهش؛ وكأنك تحمل مروحة محمولة لكنها داخل ملابسك طوال الوقت".
وفي تطور لافت، أطلقت شركة الملابس اليابانية Yofuku no Aoyama، بالتعاون مع شركة FDN المتخصصة في الملابس المروحية، قميصا رسميا مزودا بمروحتين صغيرتين في الظهر، خصيصا للموظفين الذين يعملون في المكاتب ويضطرون للتنقل في الحر.
ووفقاً لموقع Ratopati، فإن هذا القميص، الذي يبدو كقميص رسمي عادي، يزن 95 غراما لكل مروحة، و165 غراما للبطارية، وهو متاح بلونين، أزرق ورمادي، لكن الشركة أقرت بأنه غير مناسب للاستخدام أثناء الاجتماعات أو المؤتمرات، بل للتنقل بين المكاتب أو لقاء العملاء.
أما شركة Hidesign فتسعى إلى جعل هذه السترات المروحية جذابة للمستهلك العام، وليس فقط للعمال.
يوضح هيديو يوشي، رئيس الشركة ومصممها الرئيسي، بحسب فايننشال تايمز: "هدفنا ليس مجرد جعل الملابس المبرّدة عصرية، بل إثبات أن الوظائف المتقدمة يمكن أن تصبح بشكل طبيعي جزءا من تصميم الملابس الحديثة".
الصعود إلى منصات العرض.. عندما تلتقي الموضة بالتقنية
مع حلول صيف 2026، كانت الملابس المكيّفة قد قطعت شوطا كافيا لتلفت انتباه كبار مصممي الأزياء.
خلال أسبوع الموضة الرجالي في باريس، وفي خضم موجة حر قياسية وصلت إلى 40 درجة مئوية، قدّم ريك أوينز تعاونا مفاجئا مع أديداس بعد غياب عشر سنوات، تمثل في سترات وسراويل رياضية منتفخة مزودة بمراوح داخلية تستخدم تقنية Climacool من أديداس، بحسب Designboom المتخصص في التصميم.
وقد أوضح أوينز أن هذه القطع "تُشكل نظام تكييف هواء شخصي يهدف إلى تبريد جذع العداء قدر الإمكان قبل بدء السباق"، وأنها تستخدم مع "سترة جليدية" طوّرتها أديداس أصلا للاعبي كرة القدم، بحسب ما نقل Designboom عن المصمم.
ولم يقتصر الأمر على الجانب الوظيفي؛ فقد صمّم أوينز هذه القطع بأسلوبه المعروف بالضخامة والتماثيلية، مع ألوان الأبيض والأسود واستخدام الجلود والمطاط، ليحوّل ضرورة التبريد إلى عرض مسرحي، وفقا لما ورد في Designboom، الذي وصف المجموعة بأنها "تطمس الخط الفاصل بين المعدات الوقائية والأزياء الطليعية"، وأشار إلى أن القطع أصبحت منتفخة "لدرجة أنها تعيد تشكيل الصورة الظلية نفسها".
وتزامنت هذه العودة مع تصاميم مشابهة من علامات أخرى مثل Junya Watanabe وAnrealage، التي تعاونت مع Kuchofuku لتقديم فساتين وتنانير مكيّفة منتفخة في أسبوع الموضة بباريس عام 2024، بحسب فايننشال تايمز.
وحتى المنتقدين أقرّوا بأن ارتداء سترة مروحية خلال العروض في باريس كان سيكون "أروع ما يمكن ارتداؤه في العروض – بمعنى الكلمتين"، وفقا لما نقله كاتب الأزياء أوغاوا كلارك للصحيفة.
بين التحديات والآفاق.. مستقبل الملابس المكيّفة
رغم هذا الزخم، تواجه الملابس المكيّفة تحديات عدة. في اليابان، حيث تُباع هذه المنتجات منذ عقدين، لم تصل بعد إلى الجمهور العريض، ويعود ذلك جزئيا إلى وجود مكيفات الهواء في معظم المباني المكتبية، فضلا عن ضجيج المراوح، والمظهر المنتفخ الذي وُصف بـ"صورة المارشميلو" عند تشغيلها، كما تذكر فايننشال تايمز.
كما أن النماذج المتطورة، مثل جهاز Sony Reon Pocket Pro Plus، تواجه تحديات أخرى.
وفقا لمراجعة صحيفة إندبندنت التي أجراها الناقد التقني أليكس لي، يستخدم الجهاز لوحة تبريد كهربائية حرارية تعمل على تبريد الجزء العلوي من العمود الفقري، حيث يتدفق الدم قريبا من سطح الجلد، مما يخلق إحساسا "كأنك تضغط مكعب ثلج على جلدك".
ورغم فعاليته، أشارت المراجعة إلى أن سعره المرتفع، 267 دولارا، وعدم ثباته أثناء الحركة من أبرز عيوبه، مع أن النموذج الجديد يحسن الثبات مقارنة بالسابق.
أما التحدي الأكبر فيكمن في الاستدامة. الملابس المكيّفة هي منتجات هجينة تجمع بين المنسوجات والمكونات الإلكترونية، مما يجعل التخلص منها في نهاية العمر الافتراضي أكثر تعقيدا من الملابس التقليدية، بحسب ما يحذّر منه البروفيسور داهوا شو في حديثه لفايننشال تايمز.
ومع أن شركة Hidesign تطمح إلى إنشاء نظام تدوير مغلق يسمح بإعادة تصنيع هذه الملابس، يعترف يوشي للصحيفة بأن "تصميم منتجات للإصلاح واستبدال المكونات واستعادة المواد سيصبح مهما بشكل متزايد" مع تطور التكنولوجيا القابلة للارتداء.
من ناحية السوق، تشير تقديرات شركة الأبحاث Daitanleto، التي نقلتها فايننشال تايمز، إلى أن سوق الملابس المكيّفة العالمية بلغت قيمتها نحو 1.8 مليار دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 4.6 مليار دولار بحلول عام 2034.
لكن الخبير شو يحذر من أن التكنولوجيا القابلة للارتداء لا يمكن اعتبارها إلا "حلا قصير المدى" ينبغي أن يقترن بتغييرات بنيوية أكبر، مضيفا للصحيفة: "تقنيات التبريد الشخصي ميسورة التكلفة نسبيا وسهلة النشر وقابلة للتكيف مع الاحتياجات الفردية؛ يمكنها تقديم راحة فورية دون الانتظار للتخطيط الحضري واسع النطاق أو استثمارات البنية التحتية الكبرى".
من مواقع البناء في طوكيو إلى منصات عرض باريس، مرورا بالمكاتب اليابانية التي تستخدم القمصان الرسمية المروحية، ووصولا إلى أجهزة سوني القابلة للارتداء، قطعت الملابس المكيّفة رحلة تعكس تحولا أعمق في علاقتنا بالمناخ والموضة والتكنولوجيا.





