تجد مهزاد آذري نفسها في طهران مضطرة للاختيار بين تناول الطعام والتنقل، أو بين استبدال عدسات نظارتيها وتلقّي دروس في اللغة الإنكليزية، في صورة تعكس التضحيات اليومية التي يتحملها كثير من الإيرانيين بعد أكثر من ٥ أشهر من الحرب مع الولايات المتحدة.

ويتزايد الضغط على الاقتصاد الإيراني، المنهك أصلا بفعل عقود من العقوبات الدولية، فيما لا يزال التوصل إلى وقف دائم للحرب بعيدا.

وبدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في 28 فبراير. وبعد فترة شهدت وقفا لإطلاق النار في أبريل الماضي وتوقيع مذكرة تفاهم في يونيو، استؤنفت الأعمال العسكرية في يوليو.

وبلغ معدل التضخم على أساس سنوي 66٪ في 22 يوليو، مقارنة بـ46٪ في فبراير.

وتواصل العملة الإيرانية تراجعها، إذ بلغ سعر صرف الدولار الأربعاء 1.88 مليون ريال، في مقابل 1.65 مليون ريال قبيل اندلاع الحرب.

المفاضلة بين النفقات

تقول آذري، وهي موظفة في متجر تبلغ 21 عاما، إنها تضطر باستمرار إلى المفاضلة بين نفقاتها للحفاظ على ميزانيتها المحدودة.

وتضيف "عليّ أن أحرم نفسي من شيء كي أتمكن من تحمل كلفة شيء آخر".

وتوضح لوكالة فرانس برس "إذا استخدمت يوما تطبيق سناب! (وهو تطبيق لحجز سيارات الأجرة شبيه بمنصة أوبر) فلن أستطيع شراء وجبة غداء في ذلك اليوم. وإذا استبدلت عدسات نظارتي، فلن أتمكن من متابعة دروس" اللغة الإنكليزية.

وتتقاسم فهيمة، وهي موظفة تبلغ 29 عاما وتعمل في وظيفتين، المعاناة نفسها مع آذري.

وتقول الشابة التي فضّلت عدم ذكر اسم عائلتها لأسباب أمنية "كنت في السابق أحب الذهاب لمشاهدة فيلم أو تناول العشاء خارج المنزل أو طلب أطباق إيطالية جاهزة، لكن كل شيء أصبح منذ ذلك الحين مسألة بقاء".

يعاني الاقتصاد الإيراني منذ سنوات تضخما مفرطا مزمنا وتراجعا حادّا في قيمة العملة المحلية، نتيجة العقوبات المفروضة على إيران، ولا سيما بسبب برنامجها النووي.

وتفاقمت هذه الظاهرة التي تستنزف القدرة الشرائية للإيرانيين بصورة كبيرة خلال الأشهر الأخيرة، وكانت شرارة احتجاجات واسعة في ديسمبر.

تقول آذري، التي تعمل في بازار تجريش الكبير في العاصمة، إنّه "في كلّ مرة يُعلن وقف لإطلاق النار، يشهد السوق انتعاشا طفيفا، ثم يُعلن استئناف الحرب أو تُقصف منطقة ما، فتبدأ القصة نفسها مجددا".

وفي رسالة نشرها في مايو، دعا مرشد إيران، مجتبى خامنئي، الشركات إلى تجنب تسريح الموظفين، والمشرّعين إلى إقرار إجراءات تدعم "الاقتصاد" بهدف تخفيف الضغوط عن العائلات.

الأحلام "تصبح أبعد"

يقول الخبير الاقتصادي المقيم في طهران بهنام صمدي إن "الاقتصاد الإيراني تكيّف مع أزمات كثيرة وطوّر قدرة على الصمود"، لكنه يضيف أن "لهذا الصمود كلفة".

ويوضح أنّ القدرة الشرائية للسكان تراجعت، فيما ارتفعت أعباء الشركات وزادت الحكومة إنفاقها العام لإبقاء البلاد قادرة على الاستمرار.

ويضيف أنّ "السؤال الرئيسي هو إلى متى يمكن أن يستمرّ هذا الصمود؟".

ولمواجهة الأزمة، تتيح بعض المؤسسات لعملائها تسديد قيمة مشترياتهم ونفقاتهم الطبية بالتقسيط.

لكن صمدي يرى أن ذلك لا يتيح سوى "كسب الوقت"، محذرا من أن "مستوى معيشة السكان يتدهور بصورة كبيرة".

يقول إحسان، وهو صاحب متجر بقالة في طهران، إنه يلاحظ أن سلال المتسوقين تتقلص شهرا بعد آخر.

ويقول إن "وجبات الناس تصبح أقل فأقل"، حتى عندما يتعلق الأمر بالمواد الغذائية الأساسية.

وفي ظلّ الأزمة، يؤجل الإيرانيون النفقات الكبرى إلى أجل غير مسمى.

ويقول أمير رضا، البالغ 23 عاما، إن "كل الأحلام التي كانت لدينا، مثل شراء منزل أو سيارة، تصبح أبعد كل يوم".