شحنة متفجرات ضُبطت في لبنان، ورواية عن تجهيز مسيّرات مفخخة، وحديث عن إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله بدعم إيراني.
معطيات أعادتها وكالة رويترز إلى الواجهة، لكنها فتحت أسئلة تتجاوز مصير الشحنة: هل يستعد الحزب لحرب جديدة مع إسرائيل؟ وهل ما زال قادراً على المواجهة عن بُعد؟ أم أن خياراته العسكرية باتت محصورة في القتال البري داخل المناطق المأهولة؟
تقرير رويترز بشأن إعادة تسليح حزب الله وشحنة المتفجرات التي ضبطتها السلطات اللبنانية في ضهر البيدر أثار نقاشاً حول طبيعة الاستعدادات العسكرية للحزب، ولا سيما بعدما ربطت المعلومات الواردة فيه الشحنة بتجهيز طائرات مسيّرة لاستخدامها ضد إسرائيل.
وتحدث التقرير عن مساعٍ يبذلها الحزب لإعادة بناء جزء من قدراته العسكرية، مستفيداً من دعم مالي إيراني، في وقت لا تزال فيه القوات الإسرائيلية موجودة داخل مناطق لبنانية، وسط مخاوف من توسع عملياتها العسكرية.
لكن رواية المسيّرات لم تحسم الجدل بشأن الغرض الفعلي من المتفجرات، خصوصاً مع التساؤلات عن طبيعة المواد المضبوطة، وإمكانية استخدامها في عمليات أخرى.
المتفجرات.. رواية المسيّرات موضع شك
وقال مسؤول في حزب الله ومصدر أمني لبناني لرويترز إن "المتفجرات كانت مخصصة تحديدا لطائراته المسيرة المتفجرة".
وهنا شكك المحلل السياسي يوسف دياب في المعلومات، معتبراً في حديث لموقع "بلينكس" أن طبيعة المواد المضبوطة تثير تساؤلات بشأن الغرض الفعلي منها.
ويقول دياب إن المعلومات التي أوردتها رويترز قد تكون استندت إلى مصادرها الخاصة في حزب الله لتبرير مسألة شحنة المتفجرات التي تم ضبطها في ضهر البيدر، لكنه يرى أن التفسير المتعلق بالمسيّرات لا ينسجم، في تقديره، مع طبيعة الشحنة.
ويتساءل دياب عن الحاجة إلى مادة C4 والكريات الحديدية والمسامير في حال كان الهدف تجهيز طائرات مسيّرة، مشيراً إلى أن هذا النوع من الطائرات يمتلك آليات محددة للتصنيع والتجهيز والتشغيل.
ويربط دياب هذه التساؤلات بما يصفه بتوجه حزب الله للعودة إلى أساليب القتال التي اعتمدها خلال ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت عملياته ضد القوات الإسرائيلية ترتكز على زرع العبوات الناسفة وتنفيذ التفجيرات.
ولا يستبعد دياب احتمال استخدام المتفجرات في الداخل اللبناني، من دون الجزم بطبيعة الاستخدام المحتمل أو الجهة التي قد تكون مستهدفة.
في المقابل، يتحفظ الخبير العسكري والعميد المتقاعد في الجيش اللبناني جورج نادر على ربط الشحنة بعمليات داخلية، مشدداً على ضرورة التمييز بين الاحتمالات والوقائع المثبتة.
ويقول نادر لـ"بلينكس" إنه لا يوجد دليل حسي يثبت أن المتفجرات كانت معدّة للاستخدام داخل لبنان، وإن الاتهامات السياسية التي واجهها حزب الله بشأن عمليات اغتيال لا تكفي لإثبات وجود علاقة بينها وبين الشحنة المضبوطة.
ويعتبر نادر أن الاحتمالين قائمان، سواء استخدام المتفجرات في عمليات داخلية أو تجهيزها لأغراض عسكرية ضد إسرائيل، لكنه يرفض الجزم بأي منهما من دون أدلة.
وفي 12 أكتوبر 2026، علّق رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام على ضبط شاحنة المتفجرات، مشيرا إلى أن هذه المادة استُخدمت في عدد من عمليات الاغتيال السياسي في تاريخ لبنان الحديث، معربًا عن تفهّمه لقلق اللبنانيين.
هل تمنح الشحنة إسرائيل ذريعة جديدة؟
وأفاد مسؤولون أمنيون لبنانيون مطلعون على أنشطة حزب الله بأن الأخير قضى ثلاثة أشهر للاستعداد لاحتمال استئناف الأعمال القتالية مع إسرائيل بعد أن تلقى تمويلا نقديا من إيران.
وأبلغ مصدران أمنيان لبنانيان رويترز بأن الحزب استغل فترة الهدوء في الأعمال القتالية منذ يونيو لإعادة التسلح، مع التركيز على شراء المتفجرات وإنتاج طائرات مسيرة يمكن توجيهها نحو المواقع الإسرائيلية.
وفي حديثه، يحذر دياب من احتمال توظيف إسرائيل لهذه القضية، عبر تقديمها دليلاً على استمرار حزب الله في إعادة تسليح نفسه وترميم قدراته العسكرية.
كذلك، يرى أن هذا الأمر قد يتحول إلى عنصر إضافي في الخطاب الإسرائيلي الذي يستند إلى نشاط الحزب العسكري لتبرير استمرار الضربات داخل الأراضي اللبنانية.
أما نادر، فيربط خطورة القضية بما قد يحصل في حال قرر الحزب استخدام المسيّرات مجدداً، معتبراً أن نتائج هذا الخيار قد تجر مناطق لبنانية جديدة لدائرة الاستهداف الإسرائيلي.
بدورها رأت مصادر رويترز أن أسلوب حزب الله المتمثل في العمل بوحدات صغيرة وترشيد استخدام الصواريخ المضادة للدبابات ترك بعض الوحدات معزولة على تلك الجبهات، وتجد صعوبة في مواجهة أنظمة إسرائيل التي تدار عن بعد، ومنها الطائرات المسيرة المسلحة والمركبات المسيرة عن بُعد.
وأبلغ الجيش الإسرائيلي رويترز بأنه يستخدم أنظمة تدار عن بعد لمراقبة جنوب لبنان وتقليل تعرض القوات للتهديد.
ولم يقل حزب الله صراحة ما إذا كان سيشارك في حال اندلاع جولة جديدة من الأعمال القتالية، لكن مكتبه الإعلامي أفاد بأنه يخشى منح القادة الإسرائيليين أي مبرر للتصعيد في لبنان، لا سيما مع قلق الحزب من تهجير أنصاره مجددا.
ماذا بقي من قوة حزب الله؟
في تقييمه للقدرات العسكرية المتبقية لدى حزب الله، يعتبر يوسف دياب أن الحزب لم يعد يمتلك الإمكانات التي كانت متاحة له قبل الحرب.
ويحدد دياب عنصرين أساسيين للقوة العسكرية المتبقية: العنصر البشري وما تبقى من الصواريخ بعيدة المدى.
ويشير إلى أن العنصر البشري قد يظل مؤثراً في حال وقوع اشتباكات مباشرة مع القوات الإسرائيلية، لكنه يستبعد قدرة الحزب على التحرك بحرية أو تنفيذ عمليات برية واسعة في الظروف الحالية.
ويعزو دياب ذلك إلى التفوق الإسرائيلي في المراقبة والاستطلاع والسيطرة النارية، معتبراً أن نطاق هذا التفوق يمتد إلى مسافات تتجاوز 10 أو 15 كيلومتراً من مناطق انتشار الحزب السابقة.
وبحسب دياب، فإن هذا الواقع يجعل تحركات المجموعات القتالية مكشوفة بدرجة كبيرة، ويحد من إمكانية تنفيذ عمليات تتطلب الاقتراب من المواقع الإسرائيلية أو تحريك مجموعات عسكرية عبر مناطق مفتوحة.
أما الصواريخ بعيدة المدى، فيعتبر أنها تمثل أبرز القدرات التي لا يزال الحزب يحتفظ بها، وإن كان قرار استخدامها، وفق تقديره، مرتبطاً بصورة مباشرة بإيران.
الحزب عاجز عسكريا؟
وتعرضت الحزب، الذي أسسه الحرس الثوري الإيراني في عام 1982، لضربات قاسية في حربين مع إسرائيل منذ 2024، مما أدوى بحياة آلاف المقاتلين والعديد من قادته ودمر جزءا كبيرا من ترسانته.
وتحتل القوات الإسرائيلية حاليا معاقله بقرى جنوب لبنان، وتزايدت الضغوط السياسية في بيروت من أجل نزع سلاحها.
العميد المتقاعد جورج نادر يعتبر أن عدم تنفيذ الحزب هجمات ضد القوات الإسرائيلية الموجودة داخل الأراضي اللبنانية خلال الأشهر الماضية يعكس أحد احتمالين: إما أنه لم يعد قادراً على المواجهة، وإما أنه يمتلك بعض القدرات لكنه يخشى استخدامها بسبب الرد الإسرائيلي المحتمل.
وفي الحالتين، يرى نادر أن النتيجة واحدة، وهي عجز الحزب عن استئناف الحرب، معتبراً أن الامتناع عن المواجهة خشية الرد العسكري الإسرائيلي لا يختلف كثيراً، من حيث النتيجة، عن فقدان القدرة على المواجهة نفسها.
ومن هذا المنطلق، يرى نادر أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي من دون قدرة الحزب على مواجهته يطرح تساؤلات بشأن جدوى الاحتفاظ بالسلاح.
من أين سيقاتل حزب الله إسرائيل؟
يأتي تحرك حزب الله وسط تصاعد التوتر في الصراع الأوسع نطاقا في الشرق الأوسط، والذي أشعل فتيله الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في فبراير.
وهدأت حدة الأعمال القتالية إلى حد بعيد خلال الصيف، حيث تضمن اتفاق إيراني أميركي مؤقت وقفا لإطلاق النار في لبنان، بالإضافة إلى محادثات بوساطة واشنطن بين لبنان وإسرائيل. ولم تستأنف الأعمال القتالية على نطاق واسع في لبنان رغم انهيار الاتفاق الأميركي الإيراني، إلا أن إسرائيل تواصل غاراتها في الجنوب.
وحزب الله في حالة تأهب تحسبا لتصعيد محتمل من جانب الولايات المتحدة وإيران، مما قد يؤدي إلى إعادة إشعال جبهة لبنان.
في حال قرر حزب الله العودة إلى الحرب، يبرز سؤال يتعلق بالمناطق التي يمكنه القتال انطلاقاً منها، بعدما تغيرت الخريطة العسكرية في جنوب لبنان.
ويرى نادر أن المواجهة غير المباشرة باتت شديدة الصعوبة بالنسبة إلى الحزب، سواء عبر المسيّرات أو الوسائل الأخرى التي يمكن لإسرائيل رصدها واستهداف مصادر إطلاقها.
وفي المقابل، يعتبر أن القتال البري المباشر قد يكون الخيار الذي لا يزال الحزب يمتلك خبرة أكبر فيه، ولا سيما داخل "المناطق المأهولة".
ويشرح أن طبيعة القتال داخل المدن والبلدات تختلف عن المواجهة في الأراضي المفتوحة، إذ تفرض تحديات أكبر على القوات المتقدمة، وترفع احتمال وقوع خسائر بشرية خلال الاشتباكات المباشرة.
ويستشهد نادر بالمواجهات التي شهدتها منطقة علي الطاهر، معتبراً أن طبيعتها الجغرافية، رغم كونها جبلية، لم تمنع القوات الإسرائيلية من استخدام تفوقها العسكري، فيما تعرضت الأنفاق والتحصينات في المنطقة لضربات واسعة.
ويرى أن الحزب قد يجد نفسه أمام خيار القتال داخل المناطق السكنية إذا اتسعت المواجهة البرية، لكنه لا يجزم بأن الحزب يسعى إلى هذا السيناريو.
النبطية وصيدا والزهراني.. قتال عن بعد؟
وذكر أحد المصادر اللبنانية وثلاثة مسؤولين أمنيين أن الحزب سيحتاج أيضا إلى إعادة بناء قدراته في القيادة والسيطرة بعد خسائره على جبهات رئيسية، منها بلدة بنت جبيل المتوترة وتلة علي الطاهر الاستراتيجية.
وأشاروا إلى أن أسلوب حزب الله المتمثل في العمل بوحدات صغيرة وترشيد استخدام الصواريخ المضادة للدبابات ترك بعض الوحدات معزولة على تلك الجبهات، وتجد صعوبة في مواجهة أنظمة إسرائيل التي تدار عن بعد، ومنها الطائرات المسيرة المسلحة والمركبات المسيرة عن بُعد.
لذلك تفتح قراءة نادر الباب أمام احتمال انتقال المواجهات إلى مناطق أكثر عمقاً واكتظاظاً بالسكان في جنوب لبنان.
فعند سؤاله عن احتمال توسع العمليات الإسرائيلية باتجاه النبطية، وصولاً إلى المناطق الواقعة نحو الزهراني وصيدا، لا يستبعد نادر هذا السيناريو في حال اندلاع مواجهة جديدة.
ويشير نادر إلى أن النبطية تمثل مركزاً عمرانياً كبيراً، تحيط به بلدات وقرى مأهولة، ما يجعل القتال فيها مختلفاً عن العمليات التي شهدتها المواقع الحدودية والجبلية.
ويعتبر أن إسرائيل قد تواجه تحديات أكبر في حال اضطرت إلى خوض معارك برية داخل هذه المناطق، نظراً إلى طبيعة القتال واحتمال ارتفاع الخسائر البشرية.
لكن نادر يطرح في المقابل احتمال أن يكون حزب الله يتجنب المواجهة العسكرية أساساً، وينتظر تطورات خارجية قد تغير الحسابات الإقليمية.
وبذلك، لا يحصر الخيارات بين القتال في المناطق المأهولة أو الاستسلام للواقع الميداني، بل يطرح احتمال استمرار المراوحة إلى حين ظهور معادلة سياسية أو عسكرية جديدة.
الصواريخ البعيدة.. القرار في طهران؟
عند هذه النقطة، يلتقي تحليل يوسف دياب مع قراءة جورج نادر بشأن تأثير إيران في القرار العسكري لحزب الله.
من ناحيته، يعتبر دياب أن الصواريخ بعيدة المدى تمثل إحدى أبرز القدرات العسكرية المتبقية لدى الحزب، لكنه يرى أن قرار استخدامها مرتبط بطهران.
وبحسب تقديره، فإن الحزب قد يلجأ إلى هذه الصواريخ إذا اتخذت إيران قراراً بتفعيلها في إطار مواجهة إقليمية أوسع.
ويشير إلى أن هذه القدرة العسكرية لم تعد مرتبطة فقط بالحسابات الميدانية في جنوب لبنان، بل أصبحت جزءاً من معادلة الصراع بين إيران وإسرائيل.
أما نادر، فيرى أن مستقبل الجبهة اللبنانية قد يرتبط بصورة مباشرة بما ستؤول إليه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.





