بعد سنوات من الانتظار والبحث في السجون والمقابر، حصلت 3 عائلات سورية على إجابات بشأن مصير مفقوديها، بعدما ساعدت تحاليل الحمض النووي في تحديد هويات رفات خلال عام 2026.
ففي أول حالات معلنة من نوعها في البلاد، ذكرت وكالة "رويترز" الثلاثاء، أن الهيئة الوطنية للمفقودين أنجزت حالتين، فيما توصلت منظمات سورية ودولية إلى تحديد هوية أفراد عائلة قضت في الرقة عام 2017، ما أعاد الأمل إلى آلاف الأسر التي لا تزال تجهل مصير أبنائها.
عائلة الرقة.. 9 سنوات من الأسئلة
المأساة بدأت في أغسطس 2017، حينما اختفت منار عليوي و7 من أفراد عائلتها أثناء احتمائهم داخل مبنى في مدينة الرقة، خلال المعارك ضد تنظيم داعش والغارات الجوية التي رافقتها.
وظلت العائلة تبحث عن إجابات لسنوات، إلى أن عُثر على رفات بشرية داخل المبنى عام 2024، حيث ساعدت الوثائق والملابس والشهادات العائلية، إلى جانب التحليل الجيني، في تحديد هويات منار وزوجها وأطفالهما الخمسة، بينهم طفل في الثالثة من عمره.

وأُبلغ الأقارب بالنتائج في سبتمبر 2026، بينما بقي مصير والد منار، الذي كان موجوداً في المبنى، مجهولاً.
أما بالنسبة إلى محمد حمادة، الناجي الوحيد من الأسرة المباشرة، فأنهت النتائج سنوات من الشك، وفتحت الباب أمام دفن أفراد عائلته وإقامة قبور يمكن زيارتها.
جاء التعرف إلى الرفات نتيجة تعاون بين المركز السوري للعدالة والمساءلة، وفريق سوري مستقل للمفقودين والطب الشرعي، ومؤسسة الأنثروبولوجيا الجنائية في غواتيمالا.
ماذا فعلت الحكومة السورية؟
بدأت السلطات السورية الجديدة التعامل المؤسسي مع الملف في 17 مايو 2025، عندما أصدرت المرسوم رقم 19 القاضي بتشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين، برئاسة محمد رضا جلخي.
وكُلّفت الهيئة بالبحث عن المفقودين والمختفين قسرياً، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني للعائلات.
كما جمعت بحسب البيانات التي قدمتها الهيئة إلى رويترز، حتى أكتوبر 2026 نحو 96 ألف ملف من الوزارات والمنظمات، وأخذت قرابة ألفي عينة من رفات بشرية عُثر عليها في مواقع يُشتبه بأنها مقابر جماعية، إضافة إلى 29 عينة حمض نووي من أقارب مفقودين في حالات احتُمل فيها وجود تطابق.
وأسفرت الفحوص عن تحديد هويتين بصورة نهائية، بعد مراجعة النتائج من خبراء اللجنة الدولية للصليب الأحمر وإبلاغ العائلتين.

كذلك أطلقت الهيئة في 30 أغسطس برنامجاً وطنياً لتلقي بلاغات المفقودين، وقالت إنها تستقبل بموجبه نحو 100 بلاغ يومياً، وفقا لوكالة الأنباء السورية "سانا".
أهمية محلية ودولية
لم تعد قضية المختفين السوريين شأناً محلياً فقط، بعدما امتدت آثارها إلى عائلات لاجئة في دول عديدة، فيما ارتبطت بملفات حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية والمحاسبة على الانتهاكات التي شهدتها البلاد.
وفي يونيو 2023، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤسسة مستقلة معنية بالمفقودين في سوريا، مهمتها المساعدة في كشف مصيرهم ودعم عائلاتهم، بصرف النظر عن الجهة المسؤولة عن الاختفاء أو ظروفه.
أما أهمية الملف دولياً فتكمن في أن كشف الهويات لا يقتصر على إنهاء معاناة الأسر، بل قد يساعد أيضاً في توثيق أنماط الانتهاكات وحفظ الأدلة التي يمكن أن تستفيد منها إجراءات قضائية مستقبلية.
كذلك محلياً، حيث يرتبط الملف بحق العائلات في معرفة الحقيقة، وتسوية الأوضاع القانونية للمفقودين، وإثبات الوفاة عند الاقتضاء، ومعالجة الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية لسنوات الغياب.

تعاون دولي.. ومختبرات قيد الإعداد
يذكر أن هذا الإنجاز، رغم أهميته، كشف أيضاً حجم التحدي الذي تواجهه سوريا في ملف يُقدّر عدد المفقودين فيه بما بين 130 ألفاً و300 ألف شخص.
وتعمل الهيئة الوطنية للمفقودين مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لإنشاء مختبر للحمض النووي بحلول مايو 2027، إلى جانب مشروع مختبر ثانٍ بالتعاون مع اللجنة الدولية لشؤون المفقودين وبدعم من الاتحاد الأوروبي.

أتى هذا بعدما وقعت في مارس 2026، الهيئة مذكرة تفاهم مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتطوير قدراتها المؤسسية والتقنية، وتحسين إدارة البيانات وآليات التنسيق.
غير أن هذه الخطوات لم تُنهِ التحديات، حيث لا تزال قاعدة البيانات الوطنية الشاملة غير جاهزة، فيما تعاني جهود البحث من نقص الخبرات الجنائية والمعدات، وصعوبة جمع العينات من العائلات المنتشرة داخل سوريا وخارجها.





