في زوايا الحدائق العامة وبين الأبنية المهجورة، بعيداً عن أعين الأهالي والمارة، يجد بعض الأطفال في سوريا ملاذاً مؤقتاً من واقعهم القاسي، عبر استنشاق أبخرة مادة لاصقة تُعرف محلياً باسم "الشعلة"، لكن هؤلاء الصغار لا يعملون أن دقائق من النشوة قد تتحول إلى خطر يهدد حياتهم، في ظاهرة تثير مخاوف متزايدة بشأن صحة الأطفال ومستقبلهم.
ورغم أن المادة تُستخدم أساساً لأغراض صناعية، فإن سهولة الحصول عليها وانخفاض سعرها جعلاها في متناول الأطفال واليافعين، وسط تساؤلات عن حجم انتشار هذه الممارسة، والأسباب الاجتماعية والنفسية التي تدفع إليها، ومدى قدرة الجهات المعنية على الحد منها.
وقد رصدت "بلينكس" حالات لاستنشاق "الشعلة" في عدد من مناطق ريف دمشق، بينها الذيابية ومخيم الحسينية، فيما وردت إفادات عن وجود الظاهرة في سبينة وصحنايا، إضافة إلى محافظتي حلب واللاذقية.
ما "الشعلة" التي يستنشقها الأطفال؟
"الشعلة" اسم متداول لمادة لاصقة كيميائية تُستخدم في أعمال صناعية وحرفية، بينها لصق الجلود والإسفنج ومواد أخرى، وتُباع في المحال التجارية بأسعار منخفضة نسبياً.
لكن بعض الأطفال يسيئون استخدامها عبر استنشاق أبخرتها بهدف الشعور بالنشوة أو الهروب المؤقت من الضغوط النفسية والاجتماعية.
وتندرج هذه الممارسة ضمن إساءة استخدام المواد المستنشقة، وهي فئة من المواد الكيميائية التي قد تؤثر سريعاً في الجهاز العصبي المركزي، وتسبب الدوار واضطراب الإدراك والتوازن، وقد تؤدي في الحالات الخطيرة إلى فقدان الوعي أو الوفاة.
كما تختلف طبيعة المخاطر بحسب المركبات الكيميائية الموجودة في المادة وتركيزها ومدة التعرض لها، ما يجعل تحديد التركيب الفعلي لـ"الشعلة" ضرورياً لتقييم آثارها الصحية بدقة.
أطفال في أماكن مهجورة
بحسب الرصد الميداني لـ"بلينكس"، يلجأ بعض الأطفال إلى الحدائق العامة والأماكن المهجورة لاستنشاق المادة بعيداً عن الرقابة الأسرية، ولا سيما في منطقتي الذيابية ومخيم الحسينية بريف دمشق.
وقال أحمد الجاسم، أحد سكان بلدة الذيابية وصاحب متجر على الطريق العام، إنه يشاهد تجمعات لأطفال بالقرب من الطريق وهم يستنشقون المادة، معرباً عن قلقه من المخاطر التي قد يتعرضون لها.
كما أضاف الجاسم أنه تقدم بشكوى إلى المخفر بشأن هذه التجمعات، إلا أنه، بحسب قوله، لم يُتخذ أي إجراء حيالها، مشيراً إلى استمرار تكرار المشاهد نفسها.
لماذا يلجأ الأطفال إلى "الشعلة"؟
قال الدكتور مازن الخطيب، اختصاصي طب الطوارئ ومدير مركز بوابة التعافي لمعالجة الإدمان في ريف دمشق، في تصريح لـ"بلينكس"، إن سهولة الحصول على المادة وانخفاض سعرها يمثلان عاملين أساسيين في انتشار إساءة استخدامها.
وأوضح أن هذه الممارسة تُلاحظ بين أطفال ويافعين تتراوح أعمارهم بين 12 و18 عاماً، مشيراً إلى أن التفكك الأسري والظروف الاجتماعية الصعبة والعمل في بيئات غير آمنة قد تزيد احتمالات التعرض لها.
كما أضاف أن بعض الأطفال العاملين في جمع البلاستيك أو الموجودين في الشوارع قد يتأثرون بأقرانهم، ويقدمون على تجربة المادة بدافع الفضول أو تقليد الآخرين، بعد ملاحظة ما يبدو عليهم من شعور مؤقت بالنشوة.
وشدد الخطيب على أهمية فهم الظروف النفسية والاجتماعية المحيطة بالأطفال، بدلاً من التعامل مع استنشاق المادة باعتباره سلوكاً منفصلاً عن البيئة التي يعيشون فيها.
خطر قد يبدأ بالدوار وينتهي بالوفاة
كذلك حذّر الخطيب من أن استنشاق أبخرة "الشعلة" قد يتسبب بأضرار خطيرة في الجهاز العصبي، تشمل تلف خلايا الدماغ واضطرابات الرؤية والتركيز والسلوك، إلى جانب اضطرابات التنفس التي قد تهدد الحياة.
وأشار إلى أن تحديد المركبات الكيميائية الموجودة في المادة ضروري لمعرفة طبيعة الأضرار المحتملة بدقة.
أما العلامات التي قد تستدعي انتباه الأهالي، بحسب الخطيب، فهي ظهور رائحة كيميائية غير معتادة على الطفل، أو العثور على عبوات المادة وأكياس مرتبطة باستخدامها، إلى جانب تغيرات مفاجئة في السلوك أو المزاج أو التركيز.
لكن الطبيب أكد أن هذه العلامات لا تكفي وحدها لإثبات استنشاق المادة، وإنما تستدعي الانتباه والتقييم الطبي المناسب.
وشدد على ضرورة التدخل الطبي العاجل عند ظهور صعوبة في التنفس أو اضطراب في الوعي، موضحاً أن الأولوية تكون لتثبيت الحالة الصحية وإنقاذ حياة الطفل، قبل الانتقال إلى تقييم مشكلة تعاطي المواد ووضع خطة للعلاج والتأهيل.
الشؤون الاجتماعية لـ"بلينكس": خطط لاستقبال الأطفال وعلاجهم
في المقابل، أكد واثق الحلاق، مدير إدارة السياسات الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، لـ"بلينكس"، أن الوزارة ترصد ظاهرة استنشاق الأطفال لمادة "الشعلة"، وتعمل بالتنسيق مع وزارة الصحة ضمن استراتيجية "سوريا بلا مخدرات" على إعداد خطط علاجية للتعامل معها.
وأوضح الحلاق أن الجهات المعنية تعمل على وضع خطط تنفيذية لتعزيز التعاون بين وزارات الشؤون الاجتماعية والعمل والصحة والداخلية، بهدف توفير أماكن لاستقبال الأطفال المتأثرين بالظاهرة، وتقديم الرعاية اللازمة لهم ولأسرهم.
وأشار إلى أن الجهود تشمل إعداد برامج للتعافي والدعم الاجتماعي والعلاجي، بما يساعد على حماية الأطفال وإعادة دمجهم في المجتمع.
غير أن التصريحات لم تحدد موعداً لبدء تشغيل أماكن الاستقبال، أو عدد المراكز المستهدفة، أو حجم الموارد المخصصة لهذه الخطط.
لماذا تُعد المواد المستنشقة خطيرة؟
يذكر أن خطورة المواد اللاصقة والمذيبات الكيميائية تكمن في أن أبخرتها قد تصل إلى الرئتين وتنتقل سريعاً عبر الدم إلى الدماغ، فتؤثر في وظائف الجهاز العصبي خلال وقت قصير.
وقد يسبب التعرض لها اضطراب التوازن والإدراك، بينما يرتبط الاستنشاق المتكرر لبعض المذيبات بأضرار عصبية ومعرفية طويلة الأمد.
كما لا تقتصر المخاطر على الاستخدام المتكرر، إذ يمكن لبعض المواد المستنشقة أن تسبب اضطرابات خطيرة في نظم القلب أو نقص الأكسجين، وقد تحدث مضاعفات مميتة حتى بعد تعرض واحد.
ولهذا، فإن التعامل مع هذه الحالات يتطلب رعاية صحية ونفسية واجتماعية، وليس الاكتفاء بمنع المادة أو معاقبة الأطفال الذين يستخدمونها.
وقد دعا الخطيب إلى تشديد الرقابة على بيع المادة ومنع وصولها إلى الأطفال، إلى جانب دراسة إجراءات لتنظيم تداولها، بما يحد من إساءة استخدامها من دون إغفال أغراضها الصناعية المشروعة.
كما شدد على ضرورة دعم الأطفال المشردين أو العاملين في ظروف غير آمنة، ومساندة الأسر التي تواجه مشكلات اجتماعية، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من الوقاية.
ووجّه رسالة إلى الأهالي دعاهم فيها إلى التعامل مع الأطفال بهدوء واحتواء عند الاشتباه باستنشاقهم المادة، بعيداً عن العنف والتوبيخ، مع محاولة فهم الأسباب التي دفعتهم إلى التجربة ومساعدتهم على الوصول إلى الرعاية المناسبة.
وأكد أهمية إحالة الحالات التي تحتاج إلى الحماية والدعم إلى الجهات الصحية والاجتماعية المختصة، بما يتيح علاج الأطفال وإعادة دمجهم في بيئات أكثر أماناً.





