يبدو جليا أن التصعيد الأخير والمفاجئ بين الولايات المتحدة وإيران، يتمحور بشكل أساسي حول السيطرة على مضيق هرمز وإدارته، لتتجاوز هذه القضية في أولويتها المباشرة أزمة البرنامج النووي التي كانت عنوانا رئيسيا لهذا الصراع لسنوات.

وبعد هدنة هشة غاب عنها بناء الثقة وأسهم تضارب المصالح في انهيارها، تعود الأمور إلى المربع الأول فيما يبدو أن واشنطن وطهران أعادتا حساباتهما وأرادتا الاستفادة بشكل أكبر من "كعكة" المضيق.

وتحت عنوان حرية الملاحة وتأمين طرق التجارة العالمية، جاء تبرير الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتكثيف الضربات العسكرية وإعادة حصار إيران بحريا، مقترنا بإعلان عن اعتزام بلاده فرض رسوم نسبتها 20% "لحراسة المضيق"، دون أن يرى أي تناقض في حديثه عن أن هذا الإجراء اتخذ رفضا لمحاولات إيران فرض "رسوم عبور" على السفن المارة من خلال هرمز.

صحيفة نيويورك تايمز نقلت عن نيل كروسبي، رئيس قسم أبحاث النفط في شركة سبارتا لتحليل أسواق الطاقة، قوله إنه متشكك في إمكانية فرض هذه الرسوم، لكنه أضاف أنه في حال فرضها، سيُجبر مشغلو السفن على الاختيار بين خيارين صعبين: إما دفع الرسوم الباهظة والمخاطرة بالتعرض لهجوم إيراني، أو تجاهل الولايات المتحدة والتعاون مع إيران.

رسوم ترامب "كلام فارغ"؟

في مقال تحليلي لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، تحت عنوان "انهار اتفاق ترامب مع إيران، تاركا الولايات المتحدة أمام خيارات جيدة قليلة"، اعتبر ماكس بوت، وهو محلل سياسي أن مذكرة التفاهم، التي وقعها ترامب في 18 يونيو، كانت في جوهرها صفقة مربحة لإيران مقابل إعادة فتح المضيق، مشيرا إلى تعهد الرئيس الأميركي بتقديم مساعدات اقتصادية لطهران بقيمة عدة مليارات من الدولارات من خلال رفع العقوبات، وإلغاء تجميد الأموال الإيرانية، وتقديم المساعدة في إعادة الإعمار.

وأشار المحلل الأميركي إلى تعرض هذه الصفقة لانتقادات واسعة في الولايات المتحدة باعتبارها إجراء "استرضائيا" من جانب ترامب بعد فشله في إعادة فتح الممر المائي بالقوة العسكرية أو في تحقيق أهدافه العسكرية الأخرى، وهي الإطاحة بالنظام الإيراني وتخليه عن برنامجه النووي وبرنامجه الصاروخي ودعمه للوكلاء في أنحاء المنطقة.

وأضاف المحلل أنه على الرغم من ذلك، "يبدو أن المتشددين في النظام الإيراني لا يكتفون بجني المكاسب المربحة التي يمكن أن تحصل عليها بلادهم من هذه الصفقة. فقد أدركت إيران كيف يمكنها أن تجعل العالم بأسره رهينة من خلال السيطرة على مضيق هرمز، وهي ليست في عجلة من أمرها للتخلي عن تلك السيطرة".

وقلل المؤرخ والمحلل المعروف من أهمية تهديد ترامب بفرض رسوم مقابل "حراسة المضيق"، ووصفه بأنه "مجرد كلام فارغ"، متسائلا عن الجديد الذي يمكن أن تحققه عمليات القصف والحصار هذه المرة.

موقف أضعف؟

ورأى المحلل بوت أن "ترامب يقف اليوم في موقف أضعف للضغط على إيران، بعد أن سمح للنظام بالاستفادة من رفعه المؤقت للعقوبات، فوفقا لأحد التقديرات، جنت إيران ما لا يقل عن 5 مليارات دولار من صادرات النفط منذ أن رفعت الولايات المتحدة حصارها الشهر الماضي".

وختم بوت مقاله بالقول إنه لم يتبق أمام ترامب سوى خيار مرير، إما أن يقبل بفرض طهران رسوم عبور على الممر البحري، أو أن يغامر بمخاطر جسيمة تتمثل في تصعيد عسكري.

من سيدفع رسوم ترامب؟

يرى محللون، أنه ورغم عدم توضيح ترامب آلية احتساب هذه الرسوم البالغة 20% على قيمة الشحنة، فقد تتجاوز تكلفة شحن النفط عبر المضيق ضعفَيها، وفق نيويورك تايمز.

يوضح ريكو لومان، كبير الاقتصاديين المتخصصين في الخدمات اللوجستية لدى مركز أبحاث آي إن جي، أن شركات ناقلات النفط تتقاضى حوالي 10 دولارات للبرميل الواحد لنقل النفط من الخليج العربي إلى أوروبا. ونظرا لأن سعر برميل النفط يبلغ حوالي 80 دولارا، فإن رسوم ترامب قد تضيف 16 دولارا أخرى للبرميل الواحد لشحن النفط عبر المضيق، وفقًا للومان، ليصل إجمالي تكلفة النقل إلى 26 دولارًا للبرميل.

ويضيف أنه بالنسبة لناقلة نفط كبيرة تحمل مليوني برميل من النفط، قد تزيد الرسوم عن 30 مليون دولار، محذرا أنه من المرجح أن ينقل مستوردو النفط جزءا من هذه التكلفة إلى المستهلكين.

بدورها تقول فيديا ماني، الأستاذة المشاركة في جامعة فرجينيا والخبيرة في سلاسل التوريد، إن فرض رسوم بنسبة 20% سيمثل "نفقة كبيرة". وأشارت إلى أن الرسوم الطوعية لعبور مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا تقل عن 0.5% من قيمة البضائع.

عراقجي يسخر

في تعليقه الإثنين على رسوم ترامب، قال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في تصريح على إكس: "نسبة 20% مبالغ فيها بلا شك. سنكون منصفين"، وفق ما نقلته الصحيفة.

وقد عارض مسؤولون أميركيون فرض رسوم عندما سعت إيران إلى تحصيلها، مشيرين إلى أن السفن لم تكن تُفرض عليها رسوم لعبور المضيق قبل الحرب.

وفي أواخر يونيو، صرّح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قائلاً: "لا يحق لأي دولة فرض رسوم أو ضرائب على الممرات المائية الدولية. هذا ما ينص عليه القانون الدولي القائم"، وفق ما نقلته نيويورك تايمز.