شكل القصف الأحدث بين واشنطن وطهران، تصعيدا حادا في وتيرة الهجمات ونطاقها، بعدما هاجمت القوات الإيرانية سفينة حاويات في المضيق يوم السبت، ليتبعها الجيش الأميركي بإعلانه أنه ضرب نحو 140 هدفا في إيران في عطلة نهاية الأسبوع.

الرد تبعه إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز، ورقتها الرابحة وفق المحللين، للضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترامب للخضوع لإرادتها والسماح لها بالاحتفاظ بالسيطرة على هذا الممر المائي الحيوي، الذي كان ينقل عبره خُمس شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم قبل الحرب.

صحيفة فاينانشال تايمز أفادت نقلا عن محللين أن إيران أقدمت على مغامرة محفوفة بالمخاطر بإغلاقها الممر المائي، وهو الاختبار الأشد لاتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي أبرم في 8 أبريل، ودلالة على سيطرة المتشددين على إيران بعد حربين أميركيتين-إسرائيليتين في خلال أقل من عام.

مغلق/ مفتوح.. من يسيطر على الممر؟

مديرة قسم الشرق الأوسط في تشاتام هاوس، سانام وكيل قالت لفاينانشال تايمز: "إنهم (الإيرانيون) يقامرون. هدفهم هو الحفاظ على أنفسهم ومنع تآكل نفوذهم. يشعرون أنهم مضطرون لفعل ذلك للبقاء".

لا يزال النظام الإيراني يعتقد أن ترامب يتجنب المخاطرة، وأن بإمكانه استيعاب "الوضع الطبيعي الجديد" وإرهاق الولايات المتحدة، تقول وكيل التي أضافت قائلة: "هذا مستنقع".

وحذرت المحللة قائلة إن تصاعد حدة التوتر قد يغرق المنطقة مجددا في صراع شامل، وفق ما نقلته الصحيفة.

ترامب VS الحرس الثوري

بالرغم من قول الرئيس ترامب الأحد، إن مضيق هرمز مفتوح أمام حركة الملاحة التجارية، بعد أن كانت إيران قد أعلنت في وقت سابق أنها أغلقته بعد أن سارت سفينة في مسار غير معتمد وتعرضت للقصف، أكد الحرس الثوري اليوم الإثنين، إن قواته البحرية أوقفت سفينتين في مضيق هرمز ليلة الأحد عن طريق تعطيل أنظمتهما. ولم يذكر الحرس الثوري اسمي السفينتين المعنيتين، وفق ما نقلته وكالة رويترز.

بدورها، ذكرت القيادة المركزية الأميركية أن القوات أكملت أمس الأحد موجة أخرى من الضربات ضد إيران، حيث استهدفت عشرات الأهداف في مواقع متعددة بذخائر دقيقة التوجيه.

ما هي جذور الخلاف؟

تكمن جذور هذا التصعيد الأخير في الخلافات حول المرور عبر مضيق هرمز.

بموجب مذكرة تفاهم وُقِّعت بين الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو، اتفق الطرفان على تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا وإعادة فتح مضيق هرمز، وفق الصحيفة.

وبعدما رفعت الولايات المتحدة حصارها عن الموانئ الإيرانية، كان من المفترض أن تسمح إيران بإعادة فتح المضيق تدريجيا دون فرض رسوم على السفن. كما كان من المتوقع أن تقوم إيران بإزالة الألغام من المضيق، على أمل أن تعود حركة الملاحة بحلول اليوم الـ30 من تمديد وقف إطلاق النار، أي في 17 يوليو الجاري، إلى مستويات ما قبل الحرب.

وكان ترامب قد واجه انتقادات واسعة من الصقور في إدارته لموافقته على إعادة فتح "هرمز" واعدا بتوفير مليارات الدولارات لإيران، في محاولة منه لتخفيف أزمة الطاقة العالمية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر.

لكن الممر المائي الضيق ظلّ نقطة توتر، إذ تسعى إيران جاهدةً للحفاظ على سيطرتها عليه، باعتباره مصدر نفوذها الرئيسي.

ومنذ توقيع مذكرة التفاهم، عبر المضيق أكثر من 570 سفينة وغادرت ثلاثة أرباعها تقريبا منطقة الخليج، وفقا لبيانات لويدز ليست إنتليجنس، بحسب ما نقلت الصحيفة.

حلول لم تقنع إيران؟

تشير صحيفة فاينانشال تايمز، إلى أن قرار إدارة ترامب تشجيع السفن على العبور قرب سواحل عُمان، عبر مياهها الإقليمية، أثار غضب طهران. وقد مكّن ما يُسمى بالمسار الجنوبي الطائرات الحربية الأميركية من توفير غطاء جوي للسفن التي تستخدم المضيق. وقد هاجمت إيران مرارا سفنا تزعم أنها تسلك "مسارات غير مصرح بها".

يوم الأربعاء، حذر ترامب من أنه يعتقد أن وقف إطلاق النار قد انتهى، ووصف القادة الإيرانيين بـ"الحثالة" و"المرضى". كما ألغى استثناء كان يسمح لإيران بتصدير النفط.

هذا ولم تسفر المحادثات التي أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مسقط حول المضيق مع نظيره العُماني ووسطاء قطريين، بالتنسيق مع مسؤولين أميركيين عن أي تنازلات ملموسة من إيران قبل الموعد النهائي الذي حددته واشنطن، وفقا لمصدر مُطّلع على المحادثات، وفق ما نقلته رويترز.

بدلا من ذلك، استهدفت القوات الإيرانية سفينة شحن، ما أدى إلى جولة جديدة من الضربات المتبادلة.

ويوم الأحد، كتب محمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين، في منشور على موقع X: "انتهى عهد الصفقات الأحادية الجانب. قلنا لكم: التزموا بكلمتكم أو ادفعوا الثمن. الواقع يطرق الأبواب".

تقول المحللة في تشاتام هاوس، إنه على الرغم من أن إيران لم تعد إلى حرب شاملة، إلا أن الاشتباكات تنذر بخروج الأمور عن السيطرة، موضحة "أنه نظام جديد يكافح من أجل البقاء. كان علي خامنئي واثقا إلى حد كبير، وقد عزز سلطته وكان على دراية تامة بالأمور. أما هؤلاء الرجال فهم غير مجربين"، مضيفة "هذه ليست إيران القديمة، هذه إيران الجديدة".