في الحروب، تمنح الأذن صاحبها فرصة ثمينة للنجاة. قد يكون صوت انفجار بعيد، أزيز صاروخ يقترب، أو صرخة تحذير من أحد المارة كافية لتغيير المصير. لكن هذه الفرصة غائبة بالنسبة إلى آلاف الفلسطينيين الصم في غزة.

لم تكتف الحرب بإصابة كثيرين بفقدان السمع، بل جعلت من الإعاقة السمعية نفسها عاملا يضاعف المخاطر في كل تفاصيل الحياة اليومية، من البحث عن الطعام إلى الهروب من الغارات والوصول إلى أماكن الإيواء.

أطفال ينجون من القصف ويخرجون إلى عالم من الصمت

في تقرير نشرته صحيفة لوموند، تحكي عائلة الطفلة دانا أبو عمرو كيف فقدت ابنتها السمع بعد انفجار وقع قرب منزلها في مدينة غزة، رغم أنها لم تصب بجروح مباشرة.

وأظهرت الفحوص أن العصب السمعي تعرض لأضرار كبيرة بسبب قوة الانفجار. كما نقلت الصحيفة قصة الرضيع آيان القراع الذي كان عمره 5 أيام فقط عندما سقط صاروخ قرب خيمة أسرته، ليكتشف والداه لاحقا أنه فقد السمع بالكامل.

كما تروي صحيفة إل باييس قصة الطفلة ميسك التي بقيت ساعات طويلة تحت الأنقاض بعد غارة أودت بحياة أفراد من عائلتها. وعندما استعادت وعيها بعد فترة من الغيبوبة، اكتشفت أنها لم تعد تسمع شيئا.

ويقول اختصاصي السمع رمضان حسين إن حالات مشابهة أصبحت جزءا من الواقع اليومي في غزة، حيث تؤدي الموجات الانفجارية إلى تمزق طبلة الأذن أو إتلاف العصب السمعي بصورة دائمة.

ويحذر فادي عبد، مدير جمعية أطفالنا، من أن العدد الحقيقي للمصابين قد يكون أكبر من التقديرات الحالية، لأن آلاف الأطفال لم يخضعوا للفحوص اللازمة منذ بداية الحرب، في وقت تفتقر فيه المستشفيات إلى أجهزة التشخيص والمتابعة.

فبحسب جمعية أطفالنا، ارتفع عدد الصم وضعاف السمع من نحو 20 ألف شخص قبل الحرب إلى ما يقارب 35 ألفا اليوم، نتيجة الإصابات المباشرة والانفجارات وتدهور الخدمات الصحية.

عندما لا تسمع الصاروخ القادم

يضيف تقرير لصحيفة الإندبندنت بعدا آخر للأزمة، إذ لا تتعلق المشكلة فقط بمن فقدوا السمع بسبب الحرب، بل أيضا بعشرات الآلاف من الصم الذين كانوا يعيشون في القطاع قبلها.

وتروي الصحيفة قصة سارة التي فقدت ابنها حسين، وهو أصم وغير ناطق، بعدما خرج للحصول على الطعام وسط حشود المدنيين. وعندما أطلق الجنود النار، لم يتمكن من سماع الخطر أو الاستجابة له، فقضى في المكان.

وتقول سارة إنها منذ ذلك اليوم تمنع أبناءها الثلاثة الآخرين، وجميعهم من الصم، من مغادرة الخيمة بمفردهم. وتضيف أن أكبر مخاوفها ليست الجوع أو النزوح، بل أن يعجز أطفالها عن إدراك اقتراب الخطر في الوقت المناسب.

ويشير التقرير إلى أن الأشخاص الصم لا يسمعون أزيز القنابل قبل سقوطها، ولا أصوات الطائرات، ولا التحذيرات التي تدفع الآخرين إلى الفرار. ولهذا يصبحون أكثر عرضة للبقاء في أماكن الخطر أو التحرك في الاتجاه الخطأ أثناء القصف.

ويقول فادي عبد إن هذه الفئة لم تحصل على الحماية الخاصة التي تستحقها خلال النزاع، رغم أنها من أكثر الفئات عرضة للمخاطر.

📱

Loading TikTok...

دروس في الهروب من القصف

في ظل هذا الواقع، برزت مبادرة يقودها معلم لغة الإشارة فاضل قراع، الذي تنقل بين مخيمات النزوح لتدريب الصم على التعرف إلى مؤشرات الخطر من خلال الملاحظة البصرية. ويقول قراع إنه أدرك منذ الأيام الأولى للحرب أن الصم يحتاجون إلى مهارات بقاء خاصة، لأنهم لا يستطيعون الاعتماد على الأصوات مثل بقية السكان.

وخلال الدورات التي ينظمها، يشرح للمتدربين أن وميضا برتقاليا مفاجئا في السماء ليلا قد يكون مؤشرا على غارة جوية قريبة. كما يعلمهم مراقبة ردود فعل الآخرين؛ فإذا بدأ الناس بالركض في اتجاه واحد بعد سماع انفجار أو صفير قنبلة، فعليهم تقليدهم فورا والتوجه إلى المكان نفسه. ويعرض عليهم وضعيات حماية يمكن اتباعها عند تعذر الهرب، مثل الاستلقاء أرضا وتغطية الرأس والرقبة بالذراعين لتقليل خطر الشظايا.

ولا تقتصر المبادرة على الصم فقط، بحسب الإندبندنت، بدأ قراع أيضا بتعليم سكان المخيمات أساسيات لغة الإشارة، بما يسمح لهم بإبلاغ الصم بوجود قصف أو خطر أو أوامر إخلاء.

ويؤكد أن النجاة في غزة لم تعد تعتمد على سماع الصاروخ القادم، بل على قدرة المجتمع بأكمله على حماية أفراده الأكثر هشاشة. وفي وقت تتزايد فيه أعداد المصابين بفقدان السمع وتتناقص الموارد الطبية، يخشى خبراء ومنظمات إنسانية من أن تتحول الإعاقة السمعية إلى واحدة من أكثر النتائج الدائمة للحرب، وأن يكبر آلاف الأطفال وهم يحملون جروحا لا ترى بالعين المجردة، لكنها سترافقهم طوال حياتهم.