في قلب الريف البريطاني الهادئ، حيث تبدو الحقول الخضراء والقرى الصغيرة بعيدة تمامًا عن أي مشاهد عسكرية، تنتشر منظومة خفية من القواعد والمرافق العسكرية الأميركية. خلف أسوار عالية وحراسة مشددة، تعمل هذه المواقع كامتداد مباشر للقدرة العسكرية والاستخباراتية للولايات المتحدة، رغم أنها تحمل رسميًا أسماء بريطانية وتُصنف على أنها داخل حدود المملكة المتحدة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

صحيفة الغارديان سلطت الضوء على هذه القواعد، مشيرة إلى أن أكثر من 12 ألف عسكري ومدني أميركي يتمركزون في نحو 15 موقعًا موزعًا عبر البلاد.

ولا تؤدي هذه القواعد دور الدعم اللوجستي، بل تشكل نقاط ارتكاز لعمليات قصف بعيدة المدى، ومراكز تنصت عالمي، وبنية تحتية لحروب حديثة تُدار من آلاف الكيلومترات.

ومن مدارج قاذفات ثقيلة قادرة على حمل "القنابل الخارقة للتحصينات"، إلى منشآت يُشتبه في ارتباطها بترسانة نووية عادت بصمت، وصولًا إلى منشآت تجسس إلكتروني تُدار بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات البريطانية، تتشكل صورة أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد "تحالف عسكري تقليدي".

كما توفر هذه القواعد بعض وسائل الراحة “المنزلية” إذ تضم قاعدة RAF لاكنهيث صالة بولينغ، ومطعم برغر كينغ وملاعب بيسبول.

Image 1
Image 2

أين تقع هذه القواعد؟

ومع تصاعد التوترات الدولية، خصوصًا في ظل الحرب مع إيران، أثيرت أسئلة نادرة حول وجود هذه القواعد على الأراضي البريطانية ودورها. فعلى مدى ما يقرب من ثلاثة أرباع قرن، اعتبرها النظام السياسي البريطاني حجر أساس في تحالف المملكة المتحدة مع أقوى قوة في العالم.

ومع بداية الحرب، قاوم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر استخدام القواعد الأميركية، ثم أكد لاحقًا أنها يجب أن تُستخدم فقط لأغراض "دفاعية محدودة".

وقد دعا زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي إلى أن تنظر المملكة المتحدة في إغلاق القواعد الأميركية في بريطانيا ضمن مسار أوسع لتفكيك التحالف العسكري بين البلدين. لكن أين تقع هذه القواعد تحديدًا؟ وما طبيعة مهامها؟ ومن يملك السيطرة النهائية عليها؟

وتم الكشف عن مواقع 15 قاعدة في المملكة المتحدة في وثيقة للبنتاغون تسرد جميع قواعده حول العالم.

وباستثناء قاعدة لوسيموث في اسكتلندا، تقع جميع القواعد في إنكلترا. وقال اللورد كوير، وزير الدفاع البريطاني، في مجلس اللوردات بتاريخ 24 مارس، إن هناك أكثر من ١٢ ألف موظف عسكري ومدني أميركي موزعين على هذه القواعد والمنشآت.

وتحمل جميع القواعد تقريبا اسم RAF هي اختصار لـ Royal Air Force، أي سلاح الجو الملكي البريطاني.

Image 1
  • ومن أبرز القواعد قاعدة RAF كرودنغتون في نورثهامبتونشير، المعروفة بقضية وفاة الشاب هاري دون (19 عامًا)، الذي قُتل عام 2019 عندما صدمته سيارة كانت تسير في الاتجاه الخاطئ تقودها آن ساكولاس، وهي مسؤولة استخبارات أميركية كان زوجها يعمل في القاعدة.

وتُعد كرودنغتون مركزًا اتصاليًا مهمًا مسؤولًا عن تمرير معلومات شديدة السرية إلى الجيش الأميركي ووكالات الاستخبارات. كما ورد أن وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) استخدمت القاعدة لنقل معلومات تم اعتراضها من محطات تنصت مثبتة في سفارات أمريكية حول العالم.

Image 1
  • قاعدة RAF فيرفورد: وخلال حرب إيران، التقط مصورون متواجدون على أطراف قاعدة فيرفورد مشهدًا لافتًا لقنابل ثقيلة تُحمَّل على طائرات أميركية. وقد سلطت هذه الصور الضوء على الدور الحيوي الذي تلعبه القاعدة في غلوسترشير لدعم حملة القصف الأميركية.

تكمن أهمية فيرفورد في مدرجها الطويل بشكل خاص، الذي يمتد لما يقارب ميلين (3 كيلومترات). وهو مُعزز لتحمل قاذفات ثقيلة مثل B-1 وB-52، وكلاهما شارك في ضربات ضد إيران. وهذه الطائرات قادرة على حمل حمولات ضخمة، بما في ذلك ما يُعرف بـ"القنابل الخارقة للتحصينات".

Image 1
  • قاعدة RAF ميلدنهوول: تقع في السهول الغربية لسوفولك، ويعمل فيها نحو 4,000 عسكري أميركي، وقد وصفتها القوات الجوية الأميركية بأنها "منصة لإسقاط القوة". ولعبت القاعدة دورًا نشطًا في دعم الضربات الأميركية على إيران بفضل أسطول من طائرات التزويد بالوقود المتمركزة فيها.

وتقوم هذه الطائرات، المعروفة باسم "ناقلات الوقود"، برحلات متكررة من ميلدنهوول إلى البحر المتوسط، حيث تنفذ عمليات تزويد جوي بالوقود، ما يساعد الطائرات الأميركية الأخرى على البقاء في الجو أثناء رحلاتها إلى إيران والعودة منها.

Image 1
  • قاعدة RAF لاكنهيث: تُعد أكبر قاعدة أميركية في المملكة المتحدة. تقع بين الغابات والأراضي الزراعية، وتبدو وكأنها قطعة من أميركا في شرق إنكلترا. ويُشكل سياجها المحيط حدًا رمزيًا: الشرطة العسكرية الأميركية داخلها، والشرطة البريطانية خارجها، بحسب الغارديان.

وفي السنوات الأخيرة، ظهرت مؤشرات على أن الولايات المتحدة تعيد تخزين أسلحة نووية في لاكنهيث، في عودة إلى حقبة الحرب الباردة. فقد احتفظ سلاح الجو الأميركي لعقود بترسانة نووية ضخمة في القاعدة كانت جاهزة لتدمير الاتحاد السوفيتي فورًا.

وتم سحب هذه الأسلحة عام 2008، لكن خبراء يعتقدون أن احتمال عودتها إلى القاعدة العام الماضي مرتفع جدًا. وقد رصد محللون إشارات غير مباشرة تدل على وجودها، لكن الموقف الرسمي لكل من الحكومتين الأمريكية والبريطانية هو "عدم التأكيد أو النفي".

Image 1
  • قاعدة RAF منويت هيل: تُعد جزءًا من شبكة عالمية من محطات التنصت الإلكتروني الأميركية التي تغطي الكوكب، وتمنح الولايات المتحدة القدرة على اعتراض اتصالات أي شخص تقريبًا في أي مكان. وهي تُدار من قبل وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA)، وتُعد أكبر قاعدة لها خارج الولايات المتحدة.

ويعمل فيها نحو ألف موظف بالتعاون الوثيق مع وكالة الاستخبارات الإلكترونية البريطانية (GCHQ). كما يعمل فيها نحو 300 موظف بريطاني وفق بيانات تم الكشف عنها مؤخرًا.

هل تملك الحكومة البريطانية أي سيطرة على القواعد الأميركية؟

بحسب التقرير فالأمر غير واضح، وهو محل نقاش، حول مدى سيطرة الحكومة البريطانية فعليًا على استخدام الأميركيين لهذه القواعد. وبشكل عام، تم تحديد شروط الاتفاق قبل 74 عامًا في بيان مشترك بين زعيمي البلدين آنذاك: رئيس الوزراء ونستون تشرشل، والرئيس هاري ترومان.

في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة تبني ترسانة ضخمة من الأسلحة النووية المخزنة في قواعدها في بريطانيا، والتي كان من الممكن استخدامها ضد الاتحاد السوفيتي في حال اندلاع حرب.

Image 1

وفي فقرة قصيرة، اتفق ترومان وتشرشل على أن "استخدام هذه القواعد في حالة الطوارئ سيكون مسألة قرار مشترك بين الحكومة البريطانية والحكومة الأميركية في ضوء الظروف القائمة وقتها".

وتؤكد الحكومة البريطانية أنها تنظر في أي طلب لاستخدام القواعد على أساس كل حالة على حدة، وأن الموافقة تشمل "النظر المناسب في الأساس القانوني لأي نشاط مقترح".

لكن كيفية تطبيق ذلك تبقى غير شفافة. وقال ستارمر إن القواعد الأميركية في بريطانيا ستُستخدم فقط للمهام الدفاعية، دون أن يوضح آلية فرض ذلك.

رغم أهميتها الكبيرة، تُفهم القواعد الأميركية في بريطانيا باعتبارها عقدًا ضمن شبكة ضخمة من المواقع العسكرية المنتشرة في العالم، يبلغ عددها 566 قاعدة وفق بيانات البنتاغون الحديثة.

وتحتل بريطانيا المرتبة الرابعة من حيث عدد القواعد، بعد ألمانيا واليابان وإيطاليا. ولا يعكس عدد القواعد دائمًا أهميتها، فغالبًا ما تلعب الجغرافيا الدور الحاسم، بحسب التقرير.