على بعد بضعة كيلومترات من صالات سينما أهملتها عقود من النزاعات التي شلّت العراق، يراجع علي البياتي مع تقنيي الكاميرا سيناريو مشهد في فيلمه الجديد، آملا أن يُعرض خارج البلاد، في وقت بدأت جهود شابة تدفع بالسينما العراقية نحو العالمية رغم قلة الدعم.

خلف أبواب متصدعة أكلها الصدأ وتفوح منها رائحة الرطوبة، تقبع "سينما غرناطة" التي لم تعد منذ سنوات مقصدا لعشاق الأفلام. وعند مدخلها لافتة مغبرّة لفيلم مصري قديم، فيما تنتشر على طول شارع الرشيد التاريخي في بغداد صالات لم يعد المارة يعرفون أنها كانت يوما تعرض أفلاما، بعدما تحولت إلى مخازن.

لكن رغم هذا المشهد البعيد من عالم السينما، بدأ صناع أفلام عراقيون يحيون القطاع بجهود فردية، تعزز زخمها العام الماضي مع فوز فيلم "مملكة القصب" للمخرج حسن هادي بجائزة في مهرجان كان السينمائي.

سينما مهجورة وسط بغداد. فرانس برس
سينما مهجورة وسط بغداد. فرانس برس

البياتي وفيلم رعب

رغم الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، ينهمك البياتي وطاقمه في تهيئة موقع تصوير فيلم رعب مرتقب عرضه قريبا في الصالات.

يقول المخرج لوكالة فرانس برس إنه يصنع فيلمه "بنمط عالمي" لكي يسوّقه عربيا وأوروبيا وأميركيا، معتبرا أن الفنّ السابع في العراق "ليس سهلا، لكنه كذلك ليس مستحيلا".

فالسينمائي العراقي مضطرّ إلى إنتاج أفلامه بنفسه، بسبب "غياب رؤوس الأموال وشركات التوزيع" جرّاء "هوّة كبيرة صارت بين العراق والعالم الخارجي" خلال العقود الأربعة الأخيرة عاشت فيها البلاد حروبا عدة بالإضافة إلى حصار اقتصادي.

البياتي وفيلم رعب قيد الإعداد. فرانس برس
البياتي وفيلم رعب قيد الإعداد. فرانس برس

أرشيف كبير

تعود الانطلاقة الفعلية للسينما العراقية إلى أربعينات القرن الماضي، حين كانت الأفلام تُعرض في صالات دُمّر بعضها خلال النزاعات أو تحوّل لاحقا إلى مخازن.

وفي السنوات الأخيرة، افتُتحت صالات سينما حصرا داخل مراكز تجارية، تعرض خصوصا أفلاما هوليوودية ومصرية، فيما تبقى الأفلام العراقية قليلة الحضور.

ويقول المخرج السوري عبدالهادي الركب، الذي أنجز فيلما وثائقيا عن تاريخ صالات السينما في العراق منذ مطلع القرن العشرين، إن تراجع عدد الصالات أدى تدريجا إلى "انعدام ثقافة مشاهدة الأفلام في الصالات، وبالتالي تراجع فكرة صناعة الفيلم" في العراق.

وارث كويش ومحاولة حفظ الذاكرة السينمائية للعراق. فرانس برس
وارث كويش ومحاولة حفظ الذاكرة السينمائية للعراق. فرانس برس

لكن بغداد أطلقت العام الماضي، وللمرة الأولى في تاريخ السينما العراقية، مبادرة رُصد لها نحو خمسة مليارات دينار، أي حوالى أربعة ملايين دولار، لدعم 58 مشروعا بين أفلام قصيرة وطويلة، بينها مشروع البياتي.

غير أن "مبلغ 4 ملايين دولار لا شيء"، إذ قد يُخصص بالكامل لمشروع واحد في دول أخرى، وفق وارث كويش، العضو في اللجنة العليا لـ"مبادرة دعم السينما".

ويأمل كويش، 33 عاما، أن تصبح المبادرة سنوية وأن تحظى بدعم من القطاع الخاص.

ويدير كويش، الذي درس السينما بين بغداد وباريس، "سينماتيك العراق" ضمن المركز الوطني للأرشيف والذاكرة العراقية الذي تأسس العام الماضي.

ويهدف المشروع الممتد لعامين بدعم فرنسي، والمقرر أن ينتهي في نوفمبر، إلى الكشف على 104 أفلام سينمائية قديمة وتدريب فريق على ترميمها يدويا ورقمنتها، فيما "الأرشيف السينمائي العراقي أكبر من ذلك بكثير".

وتحتفظ دول عدة بأفلام تطالب بغداد باستعادتها، وقد بدأ التعاون في هذا المجال مع فرنسا وروسيا وبريطانيا.

ملصق فيلم قديم لقمران حسني في بغداد. فرانس برس
ملصق فيلم قديم لقمران حسني في بغداد. فرانس برس

"تحديات غير ضرورية"

ووقّع العراق أخيرا اتفاقات للتعاون السينمائي مع فرنسا، وبدأ يحجز لنفسه مساحة في المهرجانات العالمية، من بينها مهرجان كان حيث بات له في العامين الأخيرين جناح خاص.

وفاز فيلم "مملكة القصب"، The President's Cake، للمخرج حسن هادي بجائزة "الكاميرا الذهبية" في مهرجان كان في مايو 2025، ليصبح أول فيلم عراقي ينال هذه الجائزة، وأول فيلم عراقي يتأهل للقائمة القصيرة للأوسكار.

لكن إنجاز الفيلم في العراق ترافق مع صعوبات لوجستية وتقنية كبيرة، بحسب مخرجه.

ويوضح هادي،38 عاما، أنه استعان بطواقم أوروبية لدعم طاقمه العراقي، ما "شكّل تحديا بحد ذاته، لأن الطاقم المحلي لم يكن يعرف المعايير الدولية، والطاقم الدولي لم يكن يعرف الطابع الثقافي المحلي للعراق".

لكنه أراد رغم ذلك "خلق جسر" لتبادل المعارف.

ويرى خريج جامعة نيويورك أن "عدم فهم الحكومات" المتعاقبة لأهمية السينما ثقافيا واجتماعيا خلق "ظروفا تثني الكثيرين عن تنفيذ مشاريعهم داخل العراق وتحديات غير ضرورية سبق للدول الأخرى أن تجاوزتها".