في عالم أصبحت فيه الشاشات الصغيرة هي النافذة الأولى على أسواق المال، لم تعد البورصة حكرا على الوسطاء التقليديين والمستشارين المرخصين إذ برز جيل جديد من "المؤثرين الماليين"، كما تسميهم صحيفة ليزيكو، يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب وتيك توك وإنستغرام لنشر النصائح الاستثمارية بلغة مبسطة وجذابة.
وبحسب دراسة لهيئة الأسواق المالية الفرنسية، AMF، نقلتها ليس إيكو، فإن 41% من المستثمرين الفرنسيين في الفئة العمرية 18-24 سنة يعتمدون على المؤثرين الماليين كمصدر للمعلومات، مقابل 4% فقط بين جميع المستثمرين.
وتشير المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية، IOSCO، إلى أن هذه الظاهرة تمتد عالميا، حيث وجدت دراسة لهيئة الرقابة المالية الأسترالية، ASIC، أن 28% من الشباب في عمر 18-21 سنة يتابعون واحدا أو أكثر من المؤثرين الماليين، وأن ما يقرب من الثلثين، 64%، منهم غيّروا سلوكا ماليا واحدا على الأقل بسبب هؤلاء المؤثرين.
ومع هذا الانتشار السريع، تحولت البورصة في بعض الأحيان إلى ساحة لعب جماعية، يدفع فيها الشباب مدخراتهم مقابل وعود بثروات سريعة، في مشهد يذكّر بألعاب الفيديو أكثر مما يذكّر بالاستثمار التقليدي.
من منصات التواصل إلى منصات التداول.. "التقمص" كأداة تسويق
تشير صحيفة ليزيكو إلى أن شركة الخدمات المالية Robinhood كانت رائدة في استعارة الشفرة البصرية لألعاب الفيديو على منصتها للتداول الإلكتروني، وهو ما أثار انتقادات حادة في ذلك الوقت.
وتشرح الصحيفة أن هذه "الجمالية" التي تتبع المنطق نفسه تسمح للمؤثرين بالتوجه إلى جمهور أصغر سنا وأكثر رقمنة، باستخدام الألوان الزاهية وتعبيرات الوجه المبالغ فيها والرسوم البيانية المبسطة، مما يحوّل قرار الاستثمار من عملية عقلانية إلى تجربة تفاعلية أشبه باللعب.
وتضيف ليس إيكو أن المؤثرين الماليين يستخدمون عناوين جذابة ومثيرة، مستشهدة بمثال فيديو نشرته مؤثرة تُعرف باسم Rachel Finance تحت عنوان: "خطتي للتقاعد في سن 35 (الدخل، الاستثمارات، الاستراتيجية...)".
وفي الفيديو، تقول المؤثرة: "إذا كان لديك أقل من 1000 يورو في حسابك، فهذا ليس الوقت المناسب للبدء في الاستثمار. لكن لا تقلق، سأشرح لك بالتفصيل ما يجب عليك فعله لتغتني وتستثمر"، وذلك وفقا لما نقلته الصحيفة.
وتؤكد المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية في تقريرها أن المؤثرين الماليين يستخدمون منصات متعددة، أبرزها يوتيوب للمحتوى الطويل والمتعمق، وتيك توك وإنستغرام للمحتوى القصير والسريع، وتويتر للتحديثات الفورية.
وتشير المنظمة إلى أن هذه المنصات تتيح للمؤثرين التواصل مع جمهور واسع، وبناء علاقات "شبه اجتماعية"، Parasocial Relationships، حيث يطور المتابعون شعورا بالصداقة والثقة مع المؤثرين دون تفاعل حقيقي، مما يعزز تأثيرهم على القرارات المالية لمتابعيهم.
وتتفق مجلة هارفارد بيزنس ريفيو مع هذا التحليل، مشيرة إلى أن المؤثرين الماليين يستخدمون سرد القصص، Storytelling، ولغة المحادثة والمحتوى السهل الوصول الذي يلقى صدى لدى الأجيال الشابة.
وتضيف المجلة أن الجيل زد يظهر شهية كبيرة للمخاطرة المالية، حيث يتداول الكثير منهم في خيارات الأسهم فقط لتضخيم مكاسبهم، وأن ما يقرب من 40% من الجيل زد يعتمدون على المؤثرين الماليين للحصول على معلوماتهم لقراراتهم الاستثمارية.
الثقة العمياء والمخاطر الخفية.. بين الإغراء والواقع
تحذر هيئة تنظيم الأسواق المالية في مالطا، في تقريرها عن ظاهرة المؤثرين الماليين، من أن هؤلاء المؤثرين غالبا ما يتلقون تعويضات مالية عبر الرعايات أو المدفوعات النقدية من الجهات التي توظفهم لجذب العملاء.
ويوضح التقرير أن الهدف الأساسي للمؤثرين هو إنشاء محتوى يجذب جمهورا واسعا، مما يعني أنهم قد يبالغون في عرض المكاسب المحتملة مع إهمال المخاطر المرتبطة بالمنتجات المالية التي يروّجون لها.
وتشير صحيفة تايمز أوف مالطا إلى أن المنتجات المالية المعقدة مثل عقود الفروقات، CFDs، وتداول العملات الأجنبية، FOREX، والعملات المشفرة، والمنتجات المهيكلة، تشكل مخاطر كبيرة على العملاء الأفراد، خاصة في غياب إفصاح واضح عن المخاطر، مما قد يؤدي إلى معلومات مضللة.
وتتفق مع هذا التحذير إدارة الحماية المالية والابتكار في كاليفورنيا، التي تؤكد في تقريرها أن المؤثرين الماليين غالبا لا يمتلكون الخبرة أو المؤهلات اللازمة لتوجيه الناس نحو ما هو أفضل لهم.
وتنقل الهيئة عن دراسة أجرتها TIAA، وهي مؤسسة خدمات مالية أميركية رائدة متخصصة في خطط التقاعد والتأمين والمعاشات، أن ثلث المستثمرين الجدد يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن أفكار استثمارية، وأن 32% منهم يثقون بنصائح المؤثرين والمشاهير المالية.
وتضرب الهيئة مثلا بقضية نجمة تلفزيون الواقع كيم كارداشيان التي وافقت على دفع تسوية بقيمة 1.26 مليون دولار لهيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية للترويج غير القانوني لعملة EMAX المشفرة على حسابها في إنستغرام، دون الإفصاح عن أنها تلقت 250 ألف دولار مقابل هذا الترويج.
وتشير الهيئة إلى أن عملة EMAX فقدت أكثر من 99% من قيمتها منذ بلوغها ذروتها في مايو 2021، مما يذكر المستثمرين بأن تأييد المشاهير لمنتجات استثمارية لا يعني أنها مناسبة أو حتى مشروعة.
وعلى صعيد آخر، تنقل ليزيكو قصة مارك بلاتا، المؤثر المالي الذي كان يتابعه 4 ملايين شخص قبل حذف حسابه على إنستغرام، والذي تعرض هو وزوجته للتحقيق بتهم الاحتيال وخيانة الأمانة للترويج لاستثمارات خطيرة لمجتمعه.
وتشير الصحيفة إلى أن إحدى ضحاياه اعترفت لـFrance Info بأنها خسرت 1000 يورو من خلال ما ظنته طريقة بسيطة ومربحة وهي "نسخ التداول"، Copy Trading.
كما تذكر الصحيفة قضية جوليان تانتي، نجم تلفزيون الواقع، الذي وقع غرامة مالية للترويج لخدمات مالية دون الإفصاح عن شراكته المدفوعة مع وسيط، ومحاكاة أرباح وهمية. وتقدر هيئة الأسواق المالية الفرنسية (AMF)، بحسب ليزيكو، متوسط الضرر الناتج عن هذا النوع من الاحتيال بـ 29 ألف يورو.
وتكشف مجلة هارفارد بيزنس ريفيو عن أبعاد أخرى للمخاطر، مشيرة إلى أن المؤثرين الماليين يمكن أن يلجأوا إلى تكتيكات التخويف أو الضغط للتلاعب بالمستثمرين الضعفاء، ونشر معلومات مضللة، والترويج لعمليات احتيال واستثمارات محفوفة بالمخاطر.
وتستشهد المجلة بقضية لاعب كرة القدم توم برادي ونجم كرة السلة شاكيل أونيل اللذين روّجا لمنصة تداول العملات المشفرة FTX التي أفلست لاحقا.
فقاعة المعلومات ومسؤولية التنظيم.. بين التوعية والعقاب
تعترف المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية في تقريرها بأن المؤثرين الماليين يمكن أن يلعبوا دورا إيجابيا في نشر الثقافة المالية، خاصة بين الشباب والمستثمرين الجدد الذين يعتمدون على وسائل التواصل للحصول على المعلومات الاستثمارية.
وتشير المنظمة إلى أن بعض المؤثرين يشرحون مفاهيم مالية معقدة بلغة سهلة وممتعة، ويمكنهم التوعية بمخاطر الاحتيال المالي.
لكن التقرير نفسه يحذر من ستة مخاطر رئيسية، هي:
- غياب الترخيص للأفراد أو الشركات
- خطر الاحتيال والعمليات النصابة التي تستهدف المستثمرين عبر المؤثرين
- الترويج لمنتجات غير مناسبة أو عالية المخاطر لمستثمرين غير مدركين
- المحتوى المضلل والإفصاحات الضعيفة
- تضارب المصالح خاصة عند عدم الإفصاح عنها
- المخاطر المتزايدة عندما يكون المؤثر من المشاهير.
ويكشف التقرير أن حوالي 60% من الهيئات الرقابية التي شملها الاستطلاع رصدت وجود علاقات تعاقدية بين الوسطاء الماليين والمؤثرين، وقد تصل عقود وسيط واحد مع 40 إلى 60 مؤثرا.
وتتنوع هذه الاتفاقات بين الرسوم الثابتة لكل منشور، ونماذج الإحالات التي تمنح المؤثر عمولة مقابل كل متابع يفتح حسابا أو يمول حسابا أو ينفذ صفقة، مما يخلق تضاربا جوهريا في المصالح حيث يحفز المؤثر على حث متابعيه على التداول بشكل متكرر، حتى لو لم يكن ذلك في مصلحتهم.
وتقدم هيئة تنظيم الأسواق المالية في مالطا نصائح عملية للمستثمرين، أبرزها التحقق من ترخيص الشركة المروّجة عبر السجلات الرسمية للهيئات الرقابية، والانتباه إلى أن المؤثرين غالبا لا يحملون تراخيص كمستشارين ماليين، مما يعني أنهم لم يخضعوا لتقييم الأهلية والكفاءة من قبل سلطة تنظيمية مختصة.
وتذكر الهيئة أيضا أن المؤثرين قد يستخدمون تقنيات تسويقية خادعة، مثل تنظيم ندوات يشارك فيها شهود يروون قصص نجاحهم في تحقيق أرباح سريعة، لجعل التداول في المنتجات عالية المخاطر يبدو أكثر جاذبية.
على صعيد التوعية، يستعرض تقرير IOSCO نماذج من حملات التثقيف التي أطلقتها الهيئات الرقابية حول العالم.
في كندا، أطلقت هيئات الأوراق المالية حملة "الإخلاءات البشرية"،Human Disclaimers، التي تضمنت سلسلة فيديوهات يظهر فيها أشخاص حقيقيون يشككون في منشورات "الثراء السريع" على وسائل التواصل، ويشجعون المستثمرين على التحقق من مصدر المعلومات وإجراء أبحاثهم الخاصة قبل الاستثمار.
ووصلت الحملة إلى أكثر من 1.2 مليون كندي، وحققت أكثر من 4.48 مليون ظهور، وقادت 145 ألف نقرة إلى موقع الهيئة، وهو أعلى عدد نقرات لأي حملة سابقة.
وفي فرنسا، أطلقت هيئة الأسواق المالية حملة "أسرار إينفستيبوليس"، Investipolis Mysteries، خلال أسبوع المستثمر العالمي في أكتوبر 2024، مستهدفة المستثمرين الشباب.
وتتيح الحملة، عبر الفيديوهات والألعاب والرسوم الهزلية والإنفوجرافيك، اختبار المعرفة المالية، وتحديد الملف الاستثماري، وتعزيز القدرة على اتخاذ قرارات مستنيرة، وتفادي الخدع والمفاهيم الخاطئة الشائعة. ونُشرت الحملة بالكامل على وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة إنستغرام وتيك توك، وفقا لتقرير IOSCO.
أما مجلة هارفارد بيزنس ريفيو، فتقدّم نصائح للشركات لحماية نفسها من تداعيات المؤثرين الماليين، وتشمل:
- مراقبة وسائل التواصل والمحتوى المالي المتداول عن الشركة،
- تصميم استراتيجيات اتصال فعالة توضح الصحة المالية للشركة واستراتيجيتها بوضوح،
- تعزيز علاقات المستثمرين مع المستثمرين المؤسسيين والمحللين،
- تثقيف المستثمرين الأفراد حول مقاييس الأداء الأساسية،
- والاستفادة من المحللين المحترفين ووكالات التصنيف لموازنة تأثير المؤثرين.





