بعد ثلاث إصابات بنطح الثيران، لا يزال الأميركي بيل هيلمان يرفض تفويت مهرجان سان فيرمين في مدينة بامبلونا الإسبانية، خاصة هذا العام، الذي يصادف مرور 100 عام على صدور رواية "The Sun Also Rises" للكاتب الأميركي الأشهر إرنست همنغواي، والتي جعلت المدينة وسباق الثيران الشهير معروفين عالميًا.

ونُشرت الرواية عام 1926، وتحكي قصة مجموعة من الأميركيين والبريطانيين في عصر موسيقى الجاز يبحثون عن معنى لحياتهم عبر السفر والإفراط في شرب الكحول والسعي وراء حب مستحيل.

Image 1

وأصبحت واحدة من أبرز كلاسيكيات الأدب الأمريكي إلى جانب "The Great Gatsby" لفرنسيس سكوت فيتزجيرالد، كما رسخت مصطلح "الجيل الضائع"، وكرّست أسلوب همنغواي الموجز الذي غيّر الأدب الأميركي.

القراءة حتى منتصف الليل

وقال هيلمان، المنحدر من شيكاغو، لوكالة أسوشيتد برس إنه قرأ الرواية لأول مرة وهو في التاسعة عشرة من عمره، وظل يقرأها حتى ما بعد منتصف الليل، قبل أن يقرر أن يصبح كاتبًا ومشاركًا في سباقات الثيران.

وأضاف "عندما انتهيت من الرواية، عرفت أنني سأصبح كاتبًا، وسأركض مع الثيران".

ومنذ ذلك الحين، شارك هيلمان، البالغ من العمر 44 عامًا، في مئات سباقات الثيران داخل بامبلونا ومدن إسبانية أخرى، رغم أنه كاد يفقد حياته بعد تعرضه لنطح ثور في إحدى المشاركات. كما دفعه شغفه إلى الحصول على الدكتوراه في اللغة الإنجليزية، وأصبح يدرّس الرواية في جامعة إيست ويست بشيكاغو، ويكتب عن سباقات الثيران.

اكتساح أميركي في بامبلونا

ولا يزال الأميركيون يشكلون أكبر جنسية أجنبية مشاركة في سباقات سان فيرمين. ووفقًا لبلدية بامبلونا، مثلوا 16% من المشاركين الأجانب عام 2022، متقدمين بفارق كبير على الفرنسيين.

ويقول منظم الرحلات الأمريكي بروس أندرسون، الذي تنظم شركته "Running Of The Bulls" رحلات إلى المهرجان منذ سنوات، إن رواية همنغواي جعلت بامبلونا وجهة لا بد من زيارتها، مشيرًا إلى أن شركته تنقل هذا العام 1400 شخص، أكثر من ثلثيهم أميركيون.

Image 1

ولا يزال حضور همنغواي طاغيًا في بامبلونا، حيث تنتشر تماثيله وصوره في الفنادق والحانات، بينما ترفع حلبة مصارعة الثيران لافتة ضخمة تحمل اقتباسًا من الرواية يقول: "عند ظهر يوم الأحد السادس من يوليو، انفجر المهرجان. لا توجد طريقة أخرى لوصفه".

كيف تحولت مدينة صغيرة إلى رمز عالمي؟

ويحتفظ فندق بيرلا، الذي اعتاد همنغواي الإقامة فيه، بجناحه كما كان في خمسينيات القرن الماضي، ويضم عشرات النسخ من الرواية المطلة على مسار سباق الثيران.

وقال فرناندو هوالدي، الذي عمل في الفندق أربعة عقود: "همينغواي جعل بامبلونا معروفة في جميع أنحاء العالم".

لكن إرث الكاتب في المدينة ليس محل اتفاق كامل.

Image 1

فقد تعرض لانتقادات من جماعات حقوق الحيوان بسبب إشادته بمصارعي الثيران، كما يرى بعض سكان بامبلونا أنه ساهم في تحويل المدينة إلى وجهة تعاني من السياحة المفرطة.

ويبلغ عدد سكان المدينة نحو 200 ألف نسمة، لكنها تستقبل أكثر من مليون زائر خلال أيام المهرجان، بينهم نحو 15% من الأجانب، فيما يقتدي كثير من الزوار الشباب بعادة همنغواي في الإفراط بشرب الكحول.

فن الركض أمام الثيران

ويرى أستاذ الأدب في جامعة نافارا، غابرييل إنساوستي، أن شهرة همنغواي تحولت إلى علامة تجارية مرتبطة بالمهرجان أكثر من ارتباطها بالأدب، قائلاً: "الناس يعرفون همنغواي، لكن كثيرين لم يقرأوا روايته".

من جانبه، يحذر هيلمان من أن تزايد أعداد المشاركين قليلي الخبرة جعل السباقات أكثر خطورة، رغم أن آخر حالة وفاة تعود إلى عام 2009، بينما لا تزال إصابات نطح الثيران والسقوط تتكرر كل عام.

Image 1

وكان هيلمان قد تعرض لإصابة خطيرة عام 2014 بعد خطأ من أحد العدّائين تركه في مواجهة مباشرة مع ثور، قبل أن يصاب مرة أخرى عام 2017، لكنه أكد حينها من سريره في المستشفى أنه لن يتوقف عن المشاركة.

وقال: "يظن الناس أن الأمر مجرد ركض مجانين، لكن هناك فنًا حقيقيًا في ذلك".

أما حفيدة الكاتب، الممثلة ماريل همنغواي، فقالت إنها عوملت "كأنها من العائلة المالكة" عندما حضرت المهرجان قبل سنوات، مؤكدة أن أعمال جدها ستبقى حية لأنها تتناول موضوعات إنسانية خالدة مثل الهوية، والحب، والغاية من الحياة، وكيفية النهوض بعد الخسارة.

وأضافت: "أعتقد أن جدي نجح في التقاط شيء لن يختفي أبدًا".