لم يكن قرار العراق توسيع صادراته النفطية عبر سوريا مجرد استجابة مؤقتة لإغلاق مضيق هرمز، بل تحول خلال أسابيع إلى جزء من استراتيجية بعيدة المدى لإعادة رسم خريطة صادراته النفطية.

هرمز يكشف هشاشة صادرات العراق

قبل اندلاع الحرب، كان العراق يصدر نحو 3.6 ملايين برميل من النفط يوميا، يمرّ نحو 3.4 ملايين برميل منها عبر موانئ البصرة في الخليج العربي، ما جعل مضيق هرمز شريان التصدير الرئيسي للعراق.

لكن إغلاق المضيق خلال الحرب قلب هذه المعادلة بالكامل، بعدما توقفت حركة الناقلات وبدأت الخزانات العراقية تمتلئ بالنفط غير القادر على الوصول إلى الأسواق.

يقول موقع أويل برايس إنّ الأزمة دفعت بغداد إلى إدراك أنّها لا تستطيع الاعتماد على هرمز وحده مرة أخرى، حتى بعد انتهاء النزاع.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وتصف مجلة ذي إيكونوميست ما حدث بأنّه أكبر اختبار لصناعة النفط العراقية منذ سنوات، إذ اضطر العراق إلى خفض إنتاجه بنسبة 80٪ خلال مارس مع امتلاء مرافق التخزين.

من حلّ طارئ إلى سياسة دائمة

وسط هذه الضغوط، بدأ العراق استخدام الطريق السوري بصورة أوسع، مستندا إلى نقل زيت الوقود بالشاحنات نحو ميناء بانياس على البحر المتوسط، قبل أن يتخذ قرارا بتوسيع العملية لتشمل النفط الخام والنفثا.

وتقول رويترز إنّ الحكومة العراقية أكّدت أنّ هذه الخطة لن تتوقف حتى بعد إعادة فتح مضيق هرمز، بل أصبحت جزءا من استراتيجية حكومية لتقليل الاعتماد على الموانئ الجنوبية وتنويع منافذ التصدير.

بانياس.. ميناء يتحول إلى مركز نفطي إقليمي

مع انتقال النفط العراقي غربا، بدأت سوريا في توسيع بنيتها التحتية لاستيعاب الكميات الجديدة.

ووفقا لـEgypt Oil & Gas، تستعد السلطات السورية لافتتاح منطقتي تفريغ إضافيتين ومنشآت جديدة في ميناء بانياس، الذي يستطيع حاليا استقبال نحو 900 شاحنة صهريج يوميا، بينما ينتظر أن تبدأ التدفقات الأولى للخام بنحو 50 ألف برميل يوميا فور اكتمال تجهيزات التحميل. كما تستعد شركة تسويق النفط العراقية، سومو، لافتتاح مكتب دائم في بانياس لتنسيق العمليات التجارية واللوجستية.

ويشير تقرير Inspenet إلى أنّ توسع حركة النفط العراقي يدفع سوريا إلى الاستثمار في مرافق التخزين والتفريغ داخل بانياس، في خطوة تُحول الميناء إلى مركز إقليمي لتجارة الهيدروكربونات على البحر المتوسط، بعدما ظلّ دوره محدودا لسنوات بسبب الحرب والعقوبات. كما يؤكّد التقرير أنّ العراق ينظر إلى الطريق السوري باعتباره جزءا دائما من شبكة صادراته الجديدة، وليس مجرد استجابة ظرفية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

أما ذي إكونوميست فتصف المشهد على الأرض بصورة أكثر تفصيلا، إذ تمتد قوافل الشاحنات لمسافة 860 كيلومترا من الرمادي في العراق إلى الساحل السوري، مرورا بالصحراء والقرى المهجورة، قبل أن تفرغ حمولتها في بانياس ثم تعود مجددا إلى العراق.

وتشير المجلة إلى أنّ سومو أسندت إلى ٣ شركات مهمة نقل نحو 650 ألف طن من النفط شهريا عبر هذا الطريق، معتبرة أنّ المسار السوري أقصر من الطرق المؤدية إلى الأردن أو تركيا، كما أنّه يتيح الوصول مباشرة إلى البحر المتوسط والأسواق الأوروبية.

لكن المجلة تشير أيضا إلى تحديات تشغيلية، منها محدودية مرافق التخزين، وضرورة تشغيل مئات الشاحنات يوميا، وصعوبة نقل بعض أنواع النفط الثقيلة التي تحتاج إلى التسخين قبل الضخ، فضلا عن الضغط الكبير على البنية التحتية في بانياس مع مرور نحو ألف شاحنة يوميا.

الطريق البري اليوم.. وخط الأنابيب غدا

لا تريد بغداد الاكتفاء بالشاحنات، بل تعمل على تحويل المسار السوري إلى ممر دائم عبر شبكة أنابيب.

فبحسب المتحدث باسم وزارة النفط العراقية سليم الركابي، فإنّ مشروع إنشاء خط أنابيب إلى ميناء بانياس ما زال قيد الدراسة، ويعتمد أولا على إنجاز خط البصرةـ حديثة، الذي سينقل الخام من جنوب العراق إلى محافظة الأنبار، قبل تمديده لاحقا نحو سوريا. وأضاف أنّ المشروع سيصبح بديلا للشاحنات التي تنقل النفط حاليا إلى بانياس.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وتوضح Iraqi News أن مجلس الوزراء العراقي وافق في أبريل على تنفيذ مشروع خط البصرةـ حديثة، الذي تبلغ كلفته نحو 4.6 مليارات دولار، وتصل طاقته التصميمية إلى 2.25 مليون برميل يوميا عبر أنابيب بقطر 56 بوصة، ويمتد لمسافة 685 كيلومترا.

كما يشكّل المشروع المرحلة الأولى لشبكة يمكن أن تمتد لاحقا إلى سوريا والأردن، لتوفير منفذ مباشر إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر والأسواق الأوروبية، بتمويل ضمن اتفاق الإطار العراقي الصيني، وتنفيذ شركتي نفط البصرة والمشاريع النفطية الحكوميتين.

وفي موازاة ذلك، كشف باسم عبد الكريم، مدير شركة نفط البصرة، لصحيفة الصباح العراقية، ونقل عنه Iraqi News، أن بغداد تستهدف رفع صادراتها عبر سوريا وتركيا إلى مليون برميل يوميا. وأضاف أن الطاقة الحالية لخطوط الأنابيب عبر البلدين قد تتجاوز 650 ألف برميل يوميا، أي نحو 60٪ من الهدف الحكومي، فيما تنقل الشاحنات حاليا نحو 150 ألف برميل يوميا إلى المنافذ الشمالية، مع خطة لرفعها إلى 350 ألف برميل يوميا خلال الفترة المقبلة.

سوريا.. المستفيد الاقتصادي والسياسي

ترى مجلة The Economist أن سوريا أصبحت "المستفيد غير المتوقع" من الحرب، إذ أعادت الأزمة إحياء طريق نفطي كان شبه متوقف منذ سنوات.

وتوضح المجلة أن دمشق تحصل على رسوم عبور، بينما تستفيد الشركة السورية للنفط من تشغيل مرافق التخزين والضخ في بانياس، إضافة إلى نشاط شركات النقل المحلية التي تتولى إدارة حركة الشاحنات.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وتقدّر الصحيفة الإيرادات اليومية الناتجة عن هذا النشاط بما يتراوح بين مليون ومليوني دولار، وهي مبالغ لا تمثل طفرة اقتصادية لكنها توفر موردا ماليا مهما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد.

كما يساعد النفط العراقي، بحسب المجلة، في تشغيل محطات الكهرباء السورية التي كانت تعتمد سابقا على النفط الروسي، بينما لا تزال الحقول السورية بحاجة إلى استثمارات ضخمة وسنوات طويلة لاستعادة مستويات الإنتاج السابقة، ما يجعل الخام العراقي مصدرا مهما لتلبية الاحتياجات المحلية في المرحلة الحالية.

التعاون يتجاوز النفط

بالتوازي مع توسع صادرات النفط، شهدت العلاقات العراقية السورية زخما سياسيا جديدا.

ففي 29 يونيو، زار وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين دمشق لأول مرة منذ سقوط نظام بشار الأسد، حيث التقى الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني.

ووفقا لوكالة سانا، اتفق الجانبان على إنشاء لجنة عليا مشتركة لمتابعة ملفات التعاون، كما ناقشا آليات نقل الطاقة، والربط الكهربائي، وإعادة تأهيل خطوط الأنابيب بين البلدين، إضافة إلى التعاون في الأمن والمياه والزراعة.

ورغم أنّ العلاقات بين الحكومتين حملت في السابق قدرا كبيرا من الحذر، تشير The Economist إلى أن المصالح الاقتصادية فرضت نفسها على الحسابات السياسية، إذ أصبحت قوافل النفط تعبر يوميا الأراضي السورية تحت حماية أمنية، بينما تحول معبر الوليد إلى شريان تجاري نشط بعد سنوات من التوقف.