لطالما اعتُبر المظهر الخارجي عاملا ثانويا في الحياة المهنية، لكن دراسات اجتماعية واقتصادية متزايدة تكشف أن الوجه والملابس وطريقة تقديم الذات قد تؤثر فعليا في المسار الوظيفي، بدءا من فرص التوظيف وصولا إلى الرواتب والترقيات.

غير أن هذا التأثير يحمل مفارقة خاصة بالنسبة للنساء. فالجمال قد يكون أحيانا بوابة تفتح بعض الأبواب، لكنه قد يتحول أيضا إلى قيد غير مرئي، يجعل المرأة مطالبة باستمرار بإثبات أن نجاحها لم يكن نتيجة مظهرها، بل بسبب قدراتها وكفاءتها.

في تحقيق بعنوان "كوني جميلة ومنتجة"، تناولت صحيفة لوموند الفرنسية ظاهرة التحيز المرتبط بالمظهر في بيئة العمل، مستندة إلى شهادات نساء يعملن في مجالات مختلفة، وإلى أبحاث علمية درست ما يعرف بـ"اقتصاديات الجمال".

عندما يتحول الإعجاب إلى حكم مسبق

تتذكر آنا، التي تغير اسمها في التحقيق، حادثة بقي أثرها معها لعقود. كان ذلك في بداية التسعينيات، عندما كانت تبلغ 25 عاما، وقد حصلت على وظيفة في شركة كوكا كولا بعد دراسة الأدب وبداية مسار مهني في مجال التعليم.

في صباح صيفي، وبينما كانت ترتدي فستانا مناسبا لبيئة العمل، مرت أمام مديرة الموارد البشرية التي كانت تتحدث مع أحد الزملاء. نظرت إليها المديرة وقالت بصوت منخفض: "كم أنت جميلة، هذا مقزز".

بالنسبة لآنا، لم تكن العبارة مديحا، بل شعورا بالعداء والانتقاص. فقد شعرت للمرة الأولى بأن مظهرها أصبح موضوعا للحكم داخل مكان العمل.

كانت زميلاتها يطلقن عليها لقب "جاكي كينيدي" بسبب الشبه الذي رآه البعض بينها وبين السيدة الأولى الأميركية السابقة، لكنها اكتشفت مع مرور الوقت أن الصورة الجذابة التي يحملها الآخرون عنها كانت تحمل معها شكوكا أيضا.

تقول آنا: "المرأة التي يُنظر إليها على أنها جذابة غالبا ما تضطر إلى بذل جهد إضافي لإثبات ذكائها وكفاءتها". فملابسها، وطريقة كلامها، وحضورها الاجتماعي، كلها تصبح خاضعة للمراقبة والتفسير.

ولهذا، اختارت لسنوات أن تقلل من حضورها الجمالي في العمل: دون مكياج، ملابس أكثر تحفظا، وتجنب أي تفاصيل قد تلفت الانتباه إلى مظهرها.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

"علاوة الجمال" في سوق العمل

تشير أبحاث عديدة إلى وجود ما يسميه الباحثون "علاوة الجمال"، أي أن الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم أكثر جاذبية يحصلون غالبا على فرص أفضل.

وكان الاقتصادي الأميركي دانيال هامرمش من أوائل الباحثين الذين درسوا هذه الظاهرة منذ تسعينيات القرن الماضي. وفي كتابه Beauty Pays: Why Attractive People Are More Successful، خلص إلى أن الأشخاص الذين يُصنفون ضمن الأكثر جاذبية يحصلون في المتوسط على أجور أعلى من غيرهم.

لكن هذه الفائدة الظاهرية لا تعني أن الجمال يمنح النساء ميزة مطلقة. فالدراسات نفسها تكشف أن المظهر قد يتحول إلى مصدر تمييز، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالنساء.

فالمرأة الجميلة قد تحصل على اهتمام أكبر في البداية، لكنها قد تواجه في المقابل تشكيكا في قدراتها، وكأن الجمال يتعارض تلقائيا مع الذكاء أو الجدية المهنية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

معايير الجمال ليست محايدة

تكشف الأبحاث الاجتماعية أن مفهوم الجمال نفسه ليس عالميا أو موضوعيا، بل يتأثر بمعايير ثقافية واجتماعية محددة.

فالمجتمعات الحديثة غالبا ما ربطت الجمال الأنثوي بصورة معينة: الشباب، النحافة، ملامح الوجه المتناسقة، الشعر الناعم، وغيرها من الصفات التي أصبحت جزءا من نموذج جمالي مهيمن.

ويقول عالم الاجتماع الفرنسي جان فرانسوا أماديو، مؤلف كتاب "مجتمع المظهر"، إن الصورة التقليدية للجمال لا تعكس تنوع النساء، بل تفرض نموذجا ضيقا يستبعد الكثيرات.

أما الكاتبة الفرنسية مونا شوليه، فتشير في كتابها "الجمال القاتل "إلى أن المرأة تواجه معادلة صعبة: إذا لم تهتم بمظهرها بما يكفي قد تُتهم بالإهمال، وإذا بالغت في الاهتمام بمظهرها قد تُتهم بأنها سطحية أو أقل كفاءة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

حين يتحول الجمال إلى عبء مهني

تروي لويز، وهي طبيبة متدربة في قسم الجراحة بأحد المستشفيات الكبرى في باريس، أن مظهرها يؤثر أحيانا في طريقة تعامل الآخرين معها.

وتقول إنها تحاول دائما أن تثبت أن وجودها في غرفة العمليات مرتبط بقدراتها الطبية وليس بشكلها الخارجي. لكنها تعترف بأن بعض النساء يضطررن إلى التعامل مع بيئات مهنية يتم فيها خلط الحضور الأنثوي بالانطباعات الشخصية.

أما فيكتوريا، وهي مسؤولة شابة في القطاع العام، فتقول إن جمالها يساعدها أحيانا على أن تُلاحظ بسرعة، وهو ما يعرف في علم النفس بـ"تأثير الهالة"، حيث يميل الناس إلى ربط المظهر الجذاب بصفات إيجابية أخرى.

لكنها تؤكد أن هذا الأمر يحمل جانبا مظلما أيضا، من خلال التعليقات الشخصية غير المناسبة، أو محاولات تحويل العلاقة المهنية إلى مساحة شخصية.

وتقول: "يشعر الإنسان أحيانا بأنه يتم اختزاله في جسده، وليس في أفكاره أو عمله".

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الجمال لا يختصر طريق النجاح

ورغم أن المظهر قد يسهل بعض التفاعلات المهنية، إلا أنه لا يضمن الوصول إلى مواقع النفوذ.

تقول إستيل، وهي دبلوماسية شابة، إن أناقتها ساعدتها في البداية على الاندماج في عالم مهني واجتماعي لم تكن تنتمي إليه، لكنها اكتشفت لاحقا أن الوصول إلى المناصب العليا يعتمد على شبكات وعلاقات ما زالت غالبا تحت هيمنة الرجال.

وتؤكد أن النساء لا يواجهن فقط مسألة الصورة الخارجية، بل أيضا حواجز مؤسساتية تحد من وصولهن إلى مراكز القرار.

فالجمال قد يكون بطاقة عبور أولى، لكنه لا يكفي للحصول على الاعتراف الحقيقي.