لا يستطيع الإنسان تغيير تاريخ الميلاد المدوّن في هويته، لكن ماذا لو أمكن خفض عمر جسده البيولوجي؟

فقد كشفت دراسة جديدة أن دواءً طُوّر بمساعدة الذكاء الاصطناعي جعل المؤشرات البروتينية في دم مرضى يعانون مرضاً رئوياً خطيراً تبدو أصغر سناً بعد أسابيع من العلاج.

النتائج لا تعني أن العلماء اكتشفوا عقاراً يعيد الشباب، لكنها تفتح الباب أمام أدوية قد تعالج أمراض الشيخوخة وتؤثر في عمليات بيولوجية أوسع مرتبطة بالتقدم في العمر.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ست ساعات تقيس عمر الجسد

ركزت الدراسة، المنشورة في دورية "Nature Biotechnology"، على دواء يسمى "رينتوسيرتيب" (Rentosertib)، صُمم لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب، وهو مرض يؤدي إلى تندّب الرئة ويجعل التنفس أكثر صعوبة بمرور الوقت.

واستخدم الباحثون ستة نماذج حاسوبية تُعرف باسم "ساعات الشيخوخة البيولوجية"، تعمل على تقدير عمر الجسم عبر تحليل البروتينات الموجودة في الدم.

قدمت كل ساعة تقديرات مختلفة بحسب جرعة الدواء ومرحلة العلاج، إلا أن النماذج الستة رصدت الاتجاه نفسه: أنماط البروتينات في دم المرضى الذين تلقوا الدواء بدت أصغر سناً من الناحية البيولوجية.

ويصيب التليف الرئوي مجهول السبب كبار السن عادة، ويترافق مع الالتهاب وتلف الخلايا واضطراب إصلاح الأنسجة، وهي تغيرات تتقاطع مع بعض العمليات التي تحدث أثناء الشيخوخة.

ودفع هذا التشابه باحثين من شركة "إنسيليكو ميديسن" وكلية الطب في جامعة هارفارد ومؤسسات أخرى إلى التساؤل عما إذا كان الدواء يستطيع التأثير في المسارات المرتبطة بالتقدم في العمر أيضاً.

Image 1

أصغر بأكثر من 3 سنوات؟

عاد الباحثون إلى عينات جُمعت خلال تجربة سريرية سابقة شارك فيها 71 مصاباً بالتليف الرئوي، تلقوا واحدة من ثلاث جرعات للدواء أو علاجاً وهمياً.

وفي التحليل الجديد، فُحصت عينات 42 مشاركاً بلغ متوسط أعمارهم 67 عاماً، وقِيست مستويات نحو 3 آلاف بروتين في دمهم. ويمكن للالتهاب والمرض وتلف الأنسجة والشيخوخة أن تترك بصمات واضحة في هذه البروتينات.

وأظهرت النتائج أن الساعات الست رصدت انخفاضاً في العمر البيولوجي المتوقع لدى من تلقوا "رينتوسيرتيب"، بينما لم تشهد مجموعة الدواء الوهمي تغيراً يُذكر.

وظهرت أوضح النتائج بعد أربعة أسابيع. ففي المجموعة التي تناولت 60 مليغراماً مرة يومياً، أظهرت الساعات المصممة لتقدير العمر انخفاضاً تراوح بين 2.71 و3.46 سنوات.

لكن النماذج والجرعات الأخرى قدمت أرقاماً مختلفة، لذلك لم يحدد الباحثون رقماً موحداً لمقدار العمر الذي خفّضه الدواء. واعتبروا أن الأهم هو اتفاق النماذج الستة، رغم اختلافها، على رصد أنماط بروتينية أكثر شباباً.

كما غيّر الدواء مستويات 326 بروتيناً، مقابل بروتينين فقط في مجموعة العلاج الوهمي. وارتبطت هذه البروتينات بتندّب الرئة وإصلاح الأنسجة والالتهاب واستهلاك الطاقة والإجهاد الخلوي.

Image 1

نتائج واعدة ولكن

توقف الانخفاض الظاهري في العمر البيولوجي عن التزايد بعد الأسبوع الرابع، رغم استمرار تغيرات بروتينية عديدة طوال الدراسة التي امتدت 12 أسبوعاً. ولا يعرف الباحثون ما إذا كان الجسم قد تكيف مع العلاج، أم أن الأمر يتطلب جدول جرعات مختلفاً.

لكن الدراسة تحمل قيوداً مهمة؛ فجميع المشاركين كانوا مصابين بمرض رئوي خطير، ومن المحتمل أن يكون تحسن المرض هو ما جعل مؤشرات دمهم تبدو أصغر سناً، وليس حدوث تغير حقيقي في الشيخوخة.

كما شمل التحليل 42 شخصاً فقط، ولم يثبت أن المشاركين أصبحوا أصغر فعلياً أو سيعيشون بصحة أفضل مدة أطول. ويعمل عدد من مؤلفي الدراسة في الشركة المطورة للدواء، ومن بينهم مؤسسها ورئيسها التنفيذي المشارك.

لذلك لا يمكن حالياً وصف "رينتوسيرتيب" بأنه دواء مضاد للشيخوخة. وستحتاج النتائج إلى تجارب أكبر وأطول تشمل أشخاصاً غير مصابين بالتليف الرئوي، لكن اتفاق الساعات الست على الاتجاه نفسه يفتح مساراً علمياً يصعب تجاهله.