لم تعد شركات التكنولوجيا الكبرى ترى في الهاتف الذكي المحطة النهائية لعلاقة المستخدم بالذكاء الاصطناعي. فبعد سنوات من تطوير المساعدات الرقمية داخل الشاشات، تتجه ميتا وغوغل وأبل وشركات أخرى إلى نقل الذكاء الاصطناعي إلى أجهزة قابلة للارتداء، تتقدمها النظارات الذكية التي يمكنها رؤية ما يراه المستخدم وسماع ما يسمعه.
لكن هذا السباق الذي تراه شركات التكنولوجيا بوابة إلى مرحلة جديدة من التفاعل مع الذكاء الاصطناعي، يثير في المقابل مخاوف متزايدة بشأن الخصوصية والمراقبة، في وقت تتسارع فيه المبيعات وتدخل شركات جديدة إلى السوق، بحسب تقرير نشرته فايننشال تايمز.
النظارات الذكية.. البوابة الجديدة إلى الذكاء الاصطناعي
تراهن شركات التكنولوجيا على أن تصبح النظارات الذكية واجهة رئيسية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، مستفيدة من قدرتها على البقاء مع المستخدم طوال الوقت، بخلاف الهاتف الذي يحتاج إلى إخراجه وفتح التطبيقات.
وقال أليكس هيميل، نائب رئيس قسم الأجهزة القابلة للارتداء في ميتا، إن الشركة ترى أن الذكاء الاصطناعي سيكون أكثر فاعلية عبر أجهزة يرتديها المستخدم، مشيرا إلى أن مليارات الأشخاص يستخدمون النظارات بالفعل، ما يجعلها وسيلة طبيعية للتفاعل مع المساعدات الذكية.
وتكمن القيمة الأساسية لهذه الأجهزة في منح تطبيقات مثل جيميني وسيري وتشات جي بي تي ما تفتقر إليه داخل الهاتف: القدرة على الرؤية والاستماع.
وتختبر ميتا أيضا ما تسميه نظارات "الاستشعار الفائق"، التي يمكنها جمع الصوت والتقاط الصور بشكل متواصل، بهدف تحويلها إلى أداة ذاكرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ويبدو أن الرهان يتجاوز النظارات الحالية. فشركات مثل غوغل وسامسونغ تعمل على نماذج جديدة بالتعاون مع شركات متخصصة في صناعة النظارات، بينما تطور أبل تصميما خاصا بها قد يصل إلى السوق العام المقبل، وفقا لأشخاص مطلعين تحدثوا إلى فايننشال تايمز.
سوق يتسارع رغم مخاوف الخصوصية
لم تمنع الانتقادات المرتبطة بالخصوصية من نمو سوق النظارات الذكية. فقد باعت ميتا وشريكتها إيسيلور لوكسوتيكا أكثر من 10 ملايين وحدة منذ إطلاق أول نموذج من نظارات "راي بان" المزودة بالكاميرا في 2021، بينها أكثر من 7 ملايين وحدة خلال العام الماضي وحده، بحسب تقديرات محللين.
وتشير تقديرات كاونتربوينت ريسيرش إلى أن الإنفاق على الأجهزة القابلة للارتداء قد يتجاوز تريليون دولار بين 2026 و2032، بينما يتوقع أن تصل مبيعات النظارات الذكية وحدها إلى 44 مليار دولار بحلول 2032.
وفي الوقت الحالي، تهيمن ميتا على السوق بحصة تقدر بنحو 85% من إجمالي مبيعات النظارات الذكية، وفقا للباحث في شركة "أومديا" جورج جيجياشفيلي، الذي يتوقع ارتفاع المبيعات السنوية من 15 مليون وحدة هذا العام إلى 45 مليون وحدة بحلول 2030.
ويرى جيجياشفيلي أن نجاح ميتا ارتبط ليس فقط بالتكنولوجيا، بل أيضا بالشراكة مع "راي بان" وشبكة التوزيع الضخمة لشركة إيسيلور لوكسوتيكا، وهو ما منح المنتج جاذبية تجارية لم تتمكن محاولات سابقة، مثل غوغل غلاس، من تحقيقها.
بين وعود المساعد الذكي ومخاوف "المراقبة الدائمة"
في المقابل، تفتح قدرة النظارات على التصوير والتسجيل بابا واسعا للمخاوف. فقد أثارت مقاطع مصورة سرا باستخدام نظارات ذكية جدلا واسعا، فيما فرضت بعض الحانات والمحاكم البريطانية قيودا على استخدامها، بحسب فايننشال تايمز.
وحذرت الباحثة في قضايا الخصوصية ميريديث ويتاكر من أن انتشار هذه الأجهزة يمثل خرقا جديدا للحدود الاجتماعية، بينما يرى أستاذ القانون في جامعة بوسطن وودرو هارتزوغ أن شركات التكنولوجيا قادرة على نشر أدوات جديدة بوتيرة أسرع من قدرة المجتمع على استيعاب مخاطرها، ما يؤدي تدريجيا إلى تطبيع استخدامها.
وتتصاعد المخاوف بشكل أكبر مع إمكان دمج تقنيات التعرف على الوجوه في هذه الأجهزة. وقد كشفت مجلة وايرد في يونيو عن وجود شفرة لنظام للتعرف على الوجوه داخل منصة نظارات ميتا، قبل أن تزيله الشركة لاحقا. وحذرت منظمات حقوقية، بينها الاتحاد الأميركي للحريات المدنية ومؤسسة الحدود الإلكترونية، من أن هذه التقنيات قد تستخدم في تعقب الأفراد أو توظيفها في المراقبة الأمنية.
لكن الطريق نحو "ما بعد الهاتف" لا يزال بعيدا عن الحسم. فبحسب جيجياشفيلي، تظل التجربة الحالية بطيئة وغير مستقرة إلى حد يدفع المستخدم في كثير من الأحيان إلى العودة إلى هاتفه، بينما يرى كارل بي، الرئيس التنفيذي لشركة ناثينغ، أن استخدام خصائص الذكاء الاصطناعي في النظارات لا يزال محدودا وأن القطاع لم يعثر بعد على القيمة الحقيقية التي ستدفع المستخدمين إلى التخلي عن هواتفهم.





